
د. صلاح دعاك..يكتب..مجذوب أونصة… حين يرحل صوتٌ يشبه السودان القديم
رحل الفنان القدير مجذوب أونسة، أو كما يعرفه أهل الدامر على الوجه الصحيح “مجذوب أونصة”، ذلك الاسم الذي ارتبط بمدينة الدامر القديمة ومنطقة نقزو وبربر وذاكرتها الاجتماعية والثقافية. فكثير من الناس يكتبون الاسم “أنسة”، بينما الحقيقة أن اللقب الأصلي هو “أونصة”، وهي تسمية جاءت من والده الذي كان من أوائل تجار الذهب في المنطقة، وكان يستخدم “الأونصة” في وزن الذهب، حتى أصبح اللقب ملازماً للأسرة كلها، فصار الناس يعرفونه بمجذوب أونصة، لا “أنسة” كما يُتداول أحياناً.
ولم يكن مجذوب أونصة مجرد فنان صاحب صوت جميل، بل كان واحداً من أولئك الناس الذين يشبه حضورهم ملامح السودان القديم؛ البساطة، والطيبة، وخفة الروح، والقدرة على الاقتراب من الناس دون حواجز. كانت شهرته الكبيرة تسبقه إلى الإذاعة والتلفزيون، لكنه في حياته اليومية ظل إنساناً بسيطاً، قريباً من الجميع، يمنح من يجلس إليه إحساساً دافئاً بالألفة وكأنه يعرفه منذ سنوات طويلة.
وأذكر أول موقف جمعني به في بداية التسعينات، وتحديداً في العام 1993، عندما كنت أهم بالتقديم إلى الجامعة. كنت يومها في زيارة إلى خال الوالدة، طلب محمد أحمد، بقرية الحتانة، وعندما خرجت إلى الشارع لم أجد مواصلات. وكانت الحكومة وقتها قد أطلقت مبادرة “فضل الظهر” لتوصيل طلاب المدارس والجامعات، وهي من المبادرات التي بقيت حاضرة في الذاكره ،،
وبينما كنت أقف على جانب الطريق، توقفت سيارة، وعندما ركبت فوجئت بأن من يقودها هو الفنان مجذوب أونصة نفسه. تحول الطريق من الحتانة إلى الخرطوم إلى رحلة ممتعة من الونس والذكريات والحديث الجميل. كان كريماً في تعامله، بشوشاً في حديثه، يروي الطرائف والحكايات بعفوية آسرة، حتى نسيت طول الطريق تماماً. ورغم أنني يومها لم أكن أعرفه إلا عبر الشاشة والإذاعة، إلا أن بساطته أزالت أي رهبة من اللقاء، وأدركت أن الفن الحقيقي لا يظهر فقط في جمال الصوت، بل في أخلاق صاحبه وإنسانيته أيضاً.
ثم مضت السنوات حتى جاء اللقاء الثاني في العام 2015، عندما استضافتني معه الأستاذة المبدعه نجوى عوض في برنامجها المميز “سهرة إذاعية”. وكانت من أجمل اللقآت التلفزونيه و الاذاعيه التي كنت فيها ضيفا ، لأن مجذوب أونصة ظهر فيها بصورته الحقيقية التي أحبها الناس؛ الفنان الذي يغني بإحساسه قبل صوته. يومها قال إنه يغني لأول مرة هذا العدد من الأغنيات مباشرة على الهواء بصحبة العود فقط، دون مؤثرات أو محسنات صوتية، فقدم واحدة من أجمل الليالي الفنية التي يمكن أن يسمعها الإنسان من الغناء السوداني الصادق الاصيل ، وكأن الزمن عاد بنا إلى تلك الأيام التي كان فيها الفن قائماً على الموهبة والإحساس لا على التقنيات الحديثة.
وفي تلك الليلة عدنا بحديثنا إلى الدامر وأهلها، وإلى المدن السودانية القديمة التي كانت تقوم على المعرفة الحميمة بين الناس، حيث يعرف الجميع بعضهم بعضاً بحكم الجيرة والعلاقات الممتدة وعادات المجتمع السوداني الأصيل.
وينتمي مجذوب أونصة إلى أسرة عريقة معروفة في منطقة نقزو وبربر والدامر، ومن المعروف أن مناطق الدامر والمجاذيب ارتبطت تاريخياً بالقرآن الكريم والخلاوي والتصوف و مجرد نشأتك في تلك المناطق ترمي عليك بعض صفاتها ، و يسمي اهل المنطقه ابناءهم علي شيوخها تيمنا بأهلها و شيوخها وقد نشأ الأستاذ مجذوب أونصة في تلك البيئة الروحانية، وربما يفسر ذلك كثيراً من البساطة والهدوء والرقي الإنساني الذي كان يميزه. فمن المعروف أن عدداً كبيراً من الفنانين السودانيين في الخمسينات والستينات خرجوا من مناطق التصوف والخلاوي، وبعضهم كانوا أبناء شيوخ صوفية معروفين، لذلك جاء الفن السوداني في ذلك الزمن ممتلئاً بالأدب والوقار والكلمة الرفيعة. كما أن معظم الفنانين في تلك الفترة كانوا من الأساتذة والمعلمين، ولذلك جاءت اختياراتهم الشعرية عميقة وتحمل قيمة ومعنى.
فهذا عبد الكريم الكابلي يغني لأبي فراس الحمداني ويتغنى بالتراث السوداني، ويقدم “آسيا وأفريقيا” في أجواء التحرر الوطني، وهناك عثمان حسين، وصلاح بن البادية، وإبراهيم عوض، وسيد خليفة الذي تغنى بأشعار إدريس جماع، والعطبراوي، ومحمد وردي، وزيدان إبراهيم، وغيرهم من رموز المرحلة الذهبية للأغنية السودانية.
والفن السوداني نفسه مرّ بمراحل طويلة من التطور؛ من أغاني الدلوكة والدليب والغناء التراثي المرتبط بالقبائل السودانية المختلفة، ثم مرحلة الحقيبة بما قدمه كرومة وسرور، وبعدها مرحلة خليل فرح وأغنيته الخالدة “عزة في هواك” وزنقار، ثم جاءت مرحلة التطوير الموسيقي الحديثة التي رسخها إبراهيم الكاشف ومن معه من الفنانين، بعد محاولات سبقت ذلك منذ أواخر العشرينات والثلاثينات بإدخال الكمنجة والعود والأكورديون والبيانو تدريجياً إلى الأغنية السودانية، حتى بلغت الأغنية السودانية ذروة جمالها وانتشارها في فترتها الذهبية.
ثم ظهر الجيل الوسيط في نهاية الثمانينات بأسماء لامعة مثل مصطفى سيد أحمد، وتاور، والأمين عبد الغفار، والخالدي، قبل أن تأتي مرحلة التسعينات بأصوات مثل محمود عبد العزيز، وجمال فرفور، والبنا وغيرهم من الفنانين الذين شكلوا وجدان جيل كامل. ثم جاء الجيل الحالي، خاصة بعد برنامج “نجوم الغد”، ليواصل هذا الامتداد الفني الطويل. وما ذكرناه هنا مجرد نماذج سريعة لفنانين تغنوا للوطن والإنسان والجمال، بينما تضم ذاكرة الأغنية السودانية أسماء كثيرة أخرى لا يسع المجال لحصرها جميعاً.
لقد كان الفن السوداني أشبه ببناء هرمي ضخم شاركت في تشييده أجيال متعاقبة، لذلك حافظت الأغنية السودانية على معانيها الرفيعة وكلماتها العميقة، وظلت تغني للوطن والجمال والإنسان في أبهى صوره.
وكانت الأغنية السودانية في تلك الفترات تحمل مشروعاً ثقافياً واجتماعياً متكاملاً، فلم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت تعبر عن وجدان الناس وأحلامهم وعلاقتهم بالأرض والوطن والإنسان. ولذلك بقيت تلك الأعمال حية في ذاكرة السودانيين، تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، لأنها خرجت من بيئة صادقة ومن فنانين عاشوا الفن باعتباره رسالة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون مهنة أو شهرة.
رحم الله الفنان مجذوب أونصة، فقد كان جزءاً أصيلاً من جمال تلك الحقبة السودانية، وترك في ذاكرة الناس صورة الفنان المهذب الذي يشبه فنه في رقيه وبساطته. وبرحيله لا نفقد صوتاً جميلاً فحسب، بل نفقد قطعة من ذاكرة السودان نفسه، ومن زمن كانت فيه الأغنية تحمل الذوق والمعنى والوجدان الجميل.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.




