
د. إسماعيل الحكيم..يكتب..هل تُبنى الخدمة المدنية على أنقاض الأمان الوظيفي؟
أثار الخطاب الأخير لوزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وما تلاه من نفيٍ حاسم من مجلس الوزراء بشأن الاستغناء عن 60% من العاملين في الدولة، في خطوة نحو تحسين الخدمة المدنية، عاصفةً من التساؤلات المشروعة في الأوساط النخبوية والشعبية على حد سواء. ورغم أن النفي الرسمي جاء ليطفئ جمر القلق المستعر في نفوس آلاف الأسر، إلا أن مجرد طرح هذه الفرضية كأداة لـ “تطوير الخدمة المدنية” يستدعي وقفة تحليلية جادة وعميقة، تفكك المفاهيم ولا تقف عند حدود التصريحات .
إن الحديث عن تقديم إغراءات مالية، كمنح مرتب ستين شهراً للمستغنى عن خدماتهم، ليس سوى اتكاءٍ على حلولٍ قاصرة وصفها بليغ الأثر عندي بأنها لا تسمن ولا تغني من جوع . لضعف الراتب الشهري للموظف . فالوظيفة العامة في عمقها السسيولوجي والاقتصادي ليست رقماً مالياً يُشترى بـ “تعويض مقطوع”، إنما هي شريان الأمان الاجتماعي والاستقرار الأسري المستدام. ومن ثم تحويل الكوادر البشرية إلى أرقام في معادلات التقشف أو “الرشاقة الإدارية” هو اختزال مخل لطبيعة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، ومسكن مؤقت تذوب قيمته أمام تضخم الأسواق وتقلبات الاقتصاد.
إن إصلاح الخدمة المدنية معضلة هيكلية كبرى، لا تبدأ مطلقاً ولا تنتهي بسياسات الرفت والإقصاء والاستغناء . فالترشيق العشوائي للمؤسسات لا يصنع كفاءة، ولا يحل المشكلة لكنه يصنع فراغاً تنظيماً وذعراً وظيفياً يحبط الإنتاجية ويقتل الإبداع .. إنّ الإصلاح الحقيقي له خارطة طريق مغايرة تماماً، تقوم على ركائز ثلاث:
أولاً: وضع الرجل المناسب في المكان المناسب: إذ تبدأ النهضة الإدارية من الاعتماد الصارم على الكفاءة والمؤهلات الفعلية الشاغرة للوظيفة، بعيداً عن أشكال المحسوبية والوساطات التي تُثقل كاهل الجهاز الإداري بغير المنتجين.
ثانياً: تفعيل ثنائية الجزاء والتحفيز: كذلك إعمال مبدأ المحاسبة المسؤول، حيث يُكافأ المتميز ويُقوَّم المقصر، مع ضمان وجود رقابة حقيقية تقيس الأداء لا الحضور والغياب فقط.
ثالثاً: شروط خدمة مجزية: فلن يتحقق “الرضا الوظيفي” دون هياكل أجور عادلة تراعي الواقع المعيشي للموظف، وتؤمّن له العيش الكريم الذي يدفعه للولاء والإبداع في عمله.
إن أزمة الخدمة المدنية السودانية في جوهرها ليست أزمة “فائض عددي” بقدر ما هي أزمة “إدارة وتوزيع”. الإصلاح الحقيقي ينطلق من الالتزام الأخلاقي والقيمي للرئيس والمرؤوس على حد سواء ، وبشروط التوظيف القائم على العدالة وتكافؤ الفرص، وربط التوظيف بـالحاجة الفعلية للوظائف بناءً على دراسات استشرافية دقيقة، لا على عشوائية التعيين ثم عشوائية الفصل.
إن تجويد الأداء الحكومي غاية ينشدها الجميع، لكنها لا تنبع من ترويع الموظف في أمانه الوظيفي، بل من تمكينه وتأهيله. إننا بحاجة إلى ثورة إدارية تُصلح “البيئة والمنهج”، لا إلى مقصلة تطيح بالإنتاجية تحت شعار التطوير. الأمان الوظيفي هو أساس الاستقرار، والاستقرار هو وقود التنمية المستدامة.




