
(خارج النص )يوسف عبد المنان ..يكتب..العودة لجبال النوبة “2”
لم أعد لجبال النوبة بالشوق وحده ولا الأسى وحلو الذكريات ولم أعد إليها محمولاً على فارهات الحكومة وقد شبعنا فيها حلاً وترحالاً من وأقاصي الشمال إلى تخوم أفريقيا وعدت اليوم على ظهر عربة تاتشر يقودها السائق محمد شمس الدين وتم شحننا مثل جركانات الزيت وجوالات السكر وبصل شندي والسائق يرقص طرباً على أنغام محمد وردي الذي بدأ بجميلة ومستحلية ولم يتوقّف عند جيلي عبدالمنعم ومرحباً ياشوق.السماء ملبّدة بالغيوم والنسائم تهب وتنعش الروح المعنى وتزكرت أم درمان ودرجة الحرارة التي تجاوزت ال٤٦ والكهرباء تأتي لتغيب ساعات طويلة وقد( فريت) مثل ضوينا الأعرج صاحب المخمسات الذي ترك زراعته التي غطاها أبو جربوع وفر لمسيد البرعي ليغطي فشل زراعته بقراءة شى من القرآن وكثير من المدائح والطرب .
على امتداد البصر نبت شجر الكداد واللعوت في الأرض التي هجرها المزارعين منذ نشوب الحرب إلا قليلاً من الصابرين على الباساء والضراء والأرض أخذت تلبس ثوبها الخريفي الذي يظهر مفاتنها من غير أن تغرق في فتنة البصر والأرض مثل الفتاة تتزيّن لعريسها المزارع والراعي ولكن تأبى البيع بالرخيص، قطعان الأبقار بيضاء اللون تمر من أمامنا والراعي يمتطي جملاً اصهباً يسابق رياح الرشاش، أكثر من مائتي بقرة بقيمة ماليه لاتقل عن نصف مليار جنيه وصاحبها لايملك إلا حذاء صنع من بقايا إطارات اللواري التي أصبحت غير صالحة للسير وجلباب قد من خلفه وقد من أمامه وتم رقعه بقطعة قماش بالية يعرف هذا الراعي في الخلا البعيد فريق ريال مدريد وبرشلونة ويغني مع فنان اسمه (ود الأشبة) ،انهم أهلنا المسيرية رعاة البقر في المنطقة الشرقية من كردفان فشلت كل محاولات المليشيا في إقناعهم بمشروع دولة العطاوة وتمسكوا بالتعايش مع أهل المنطقة التي تجمع الكواهلة والبديرية والنوبة والأحامدة والبرنو وأولاد حميد والجلابة الهوارة وسليم وحفظ الله بعنايته المنطقة الشرقية من جبال النوبة من حرب آل دقلو كما حفظها من حرب الحركة الشعبية ربما بدعاء الصادقين من حفظة كتابه الكريم من خريجي خلاوي أم مرحي وللشيخ الراحل أحمد أبو فلج أفضال كثر.
ومن غرائب شرق كردفان أنها المنطقة التي لجأ إليها الإمام المهدي واتخذ من جبال قدير منطلقاً لثورته وانتصرت المهدية بفضل مقاتلي تقلي الأشاوس وفرسان الكواهلة وكنانة وأولاد حميد ،ولكن انحرافات المهدية وخذلان حزب الأمة لأهل كردفان جعل مناطق العباسية ورشاد وخلاوي القرآن هناك أسسها السادة القادرية وترتبط روحياً وثقافياً ووجدانياً بأم مرحي شمال أم درمان وبالقادرية في الجزيزة ومنذ الستينات ظلت دوائر العباسية منطقة مغلقة للحزب الاتحادي الديمقراطي ولا ينافسه حزب الأمة ولا الجبهة الاسلامية على دوائر منطقة تقلي .
ومن غرائب وعجائب المهدية التي اندثرت في النفوس أنها لم تأسس لخلوة واحدة في كل مناطق شرق كردفان مع كثرة الخلاوى والثقافة الدينية المتجذرة هناك وقد استوعبت مملكة تقلي التي كانت تحالف عريض يجمع كل أهل جبال النوبة الشرقية أكثر من كونه عصبة قبلية وأثر التديّن عميقاً جداً في تقلي وقد ظلت نار القرآن متّقده في خلاوي الشيخ أحمد ابوفلج لمدة مائة عام لم تطفئها أمطار ولا برودة شتاء .
تساقطت حبات المطر على الأرض وتنفسنا رائحة روث البقر وأدينا صلاة المغرب في جماعة على الأرض التي بلّلها الماء، شعرنا بالجوع مع شدة البرد الذي يسمى الزيفة ولم نشتهي غير عصيدة بلبن طازج في تلك الليلة أي يوم الاثنين وحينما حطت راحلتنا في أم الخيران كان الليل قد أرخى سدوله وليل الصعيد شديد الظلام لطبيعة التربة السوداء التي تمتص ضوء النجوم التي غطاها السحاب الذي هو مقدّمة الخريف، حيث المزارع هنا لايعرف وقاية نباتات ولا وزير الزراعة لو سألته عن وكرة الترتر وسوق الجبل وشمشكة لقال انها وجبات شعبية تؤكل في دارفور ولنا عودة.




