اعمدة ومقالات الرأى

محمدعثمان الرضي..يكتب..قرار إيقاف الباخرة «عُمان».. الغموض يطارد وزارة النقل والشارع يطالب بمعرفة الحقيقة

الخرطوم: الرسالة نيوز

محمدعثمان الرضي..يكتب..قرار إيقاف الباخرة «عُمان».. الغموض يطارد وزارة النقل والشارع يطالب بمعرفة الحقيقة

 

مازال قرار إيقاف الباخرة «عُمان» المخصصة لنقل الركاب، التابعة لشركة كنزي الدولية للملاحة والأنشطة المحدودة، يثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط البحرية والاقتصادية، في ظل استمرار القرار من دون إعلان مبررات واضحة ومقنعة للرأي العام. القرار الصادر من الجهات المختصة بوزارة النقل فتح الباب أمام سيل من التساؤلات المشروعة حول الأسس القانونية والفنية التي استندت عليها عملية الإيقاف، خاصة وأن الباخرة كانت تمارس نشاطها بصورة معلنة ومعروفة.

المتابعون للشأن البحري يرون أن أي قرار يتعلق بإيقاف وسيلة نقل بحرية يفترض أن يكون مصحوباً بتوضيحات تفصيلية تحفظ حقوق جميع الأطراف وتمنع انتشار الشائعات والتأويلات المتضاربة. العدالة الإجرائية تقتضي أن يعرف أي طرف يتم اتخاذ إجراء ضده طبيعة المخالفة المنسوبة إليه، والأساس القانوني الذي بُني عليه القرار، حتى يتمكن من الدفاع عن نفسه وفق الأطر القانونية السليمة. عندما يتم توجيه اتهام لأي شخص أو مؤسسة، فإن أبسط قواعد العدالة تنص على إخطار الجهة المعنية بالمخالفات والمواد القانونية واللوائح التي استندت عليها السلطات المختصة في اتخاذ القرار. لذلك فإن من حق الوكيل الملاحي لشركة كنزي الدولية للملاحة والأنشطة المحدودة أن يتم تمليكه حيثيات القرار كاملة، وأن يحصل على نسخة من اللوائح أو التقارير الفنية التي استندت إليها عملية الإيقاف.

الغموض الذي يحيط بالقضية خلق حالة من القلق وسط العاملين في قطاع النقل البحري، خاصة أن الملف يرتبط بخدمة حيوية تمس حركة المواطنين والحجاج بين السودان والمملكة العربية السعودية. الجهة المناط بها اتخاذ مثل هذه الإجراءات هي إدارة الرقابة البحرية التابعة لهيئة الموانئ البحرية، والتي تعمل تحت إشراف المدير العام لهيئة الموانئ البحرية المهندس جيلاني محمد جيلاني. المسؤولية القانونية والأخلاقية تفرض على الجهات المختصة أن تقدم للرأي العام تفسيراً شفافاً ومباشراً يوضح أسباب استمرار إيقاف الباخرة حتى هذه اللحظة.قطاع النقل البحري لا يحتمل القرارات الضبابية، لأن أي اضطراب فيه ينعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة والسفر ونقل الركاب، فضلاً عن تأثيره على سمعة الموانئ السودانية.

هنالك قوانين واتفاقيات دولية معروفة تنظم حركة البواخر وسلامتها الفنية وصلاحيتها للإبحار، كما تحدد المعايير المتعلقة بالأطقم البحرية واشتراطات التشغيل والسلامة. هذه القوانين الدولية ظلت تمثل المرجعية الأساسية في قطاع النقل البحري العالمي، ولذلك فإن أي قرارات محلية يفترض أن تكون منسجمة معها لا متعارضة معها. كثير من الخبراء يرون أن الاحتكام إلى اللوائح المحلية وحدها، بعيداً عن المعايير الدولية المعتمدة، قد يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة ويخلق إشكالات قانونية معقدة. اللافت للنظر أن الباخرة نفسها تحصل على تصاريح من السلطات السعودية لنقل الركاب من ميناء جدة إلى ميناء سواكن، بينما تواجه المنع الكامل في الاتجاه المعاكس داخل السودان. هذا التناقض يثير تساؤلات منطقية حول طبيعة الخلل الحقيقي: هل المشكلة فنية بالفعل أم أن هناك أسباباً أخرى لم يتم الإعلان عنها حتى الآن؟

إذا كانت الباخرة غير مطابقة للاشتراطات الفنية، فكيف تم السماح لها بالعمل داخل الموانئ السعودية؟ وإذا كانت مطابقة، فما هي المبررات التي دفعت إلى إيقافها في السودان؟ الرأي العام من حقه أن يعرف الحقيقة كاملة، لأن الأمر تجاوز حدود الخلاف الإداري وأصبح قضية ترتبط بمصالح آلاف المواطنين والمسافرين. توقيت القرار أثار المزيد من علامات الاستفهام، خاصة أنه جاء متزامناً مع موسم نقل الحجاج السودانيين إلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك الحج. موسم الحج يمثل فترة استثنائية تشهد ضغطاً كبيراً على وسائل النقل البحري والجوي، ولذلك فإن أي قرار مفاجئ بالإيقاف تكون له انعكاسات مباشرة على حركة السفر والترتيبات اللوجستية. عدد من المتابعين اعتبروا أن تعطيل الباخرة في هذا التوقيت الحساس قد يؤدي إلى إرباك خطط نقل الحجاج ورفع تكلفة السفر على المواطنين.

شركة كنزي الدولية للملاحة ظلت تعمل في مجال النقل البحري لسنوات، واستطاعت أن تحجز لنفسها موقعاً داخل هذا القطاع شديد التعقيد والمنافسة. المنافسة في قطاع النقل البحري يجب أن تقوم على العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، لا على القرارات المفاجئة التي قد تثير الشكوك وتفتح أبواب التأويل. أخطر ما يواجه أي قطاع اقتصادي هو غياب الوضوح، لأن المستثمر لا يستطيع العمل في بيئة تتغير فيها القرارات من دون أسباب معلنة أو مبررات مقنعة. السودان في أمسّ الحاجة إلى تشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي، خاصة في القطاعات الحيوية مثل النقل البحري والموانئ والخدمات اللوجستية.

أي رسائل سلبية تصدر تجاه المستثمرين أو الشركات العاملة في هذا المجال قد تؤثر مستقبلاً على ثقة المستثمرين في بيئة العمل داخل البلاد.الشفافية ليست ترفاً إدارياً، بل هي ضرورة لحماية مؤسسات الدولة نفسها من الانتقادات والتشكيك، ولتعزيز الثقة بين الدولة والقطاع الخاص.الجهات المختصة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالخروج للرأي العام وتوضيح الحقائق كاملة بعيداً عن الغموض والصمت الذي زاد من حدة الجدل.

استمرار الصمت الرسمي يمنح الشائعات مساحة أوسع للانتشار، ويجعل الباب مفتوحاً أمام تفسيرات قد تكون بعيدة تماماً عن الحقيقة. القضية لم تعد مجرد إيقاف باخرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى الالتزام بالمهنية والشفافية وسيادة القانون داخل مؤسسات الدولة. ويبقى السؤال الأهم: هل ستكشف وزارة النقل وهيئة الموانئ البحرية للرأي العام الأسباب الحقيقية وراء استمرار إيقاف الباخرة «عُمان»، أم أن الملف سيظل غارقاً في دائرة الغموض حتى إشعار آخر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى