اعمدة ومقالات الرأى

عين الكلمة) صلاح الريح يوسف..يكتب..التسول العابر.. حين يتحول الشارع إلى ممر للغرباء

الخرطوم: الرسالة نيوز

(عين الكلمة) صلاح الريح يوسف..يكتب..التسول العابر.. حين يتحول الشارع إلى ممر للغرباء

 

 

يعتبر التسول من أكثر الأشياء التي تؤثر سلبا في المجتمع، والمتسول لا علاقة له بصاحب الحاجة الذي يجد التعاطف من الجميع، وينتهي طلبه بقضاء حاجته، ولكن احيانا تختلط الأمور لدي الكثيرين ولا يفرقون بين المتسول وصاحب الحاجة، فتموت المرؤة احيانا. فالمدينة التي كانت تُعرف بنظافتها ونظامها، صارت اليوم ممراً مفتوحاً على امتداد الأرصفة والإشارات والأسواق. وجوه صامتة، وأيدٍ ممدودة، وأطفال يحملون على ظهورهم قصة لا تشبه طفولتهم والمنظر يوحي بعدة تساؤلات.

هكذا صار التسول في السودان، وفي قلب الخرطوم على وجه الخصوص، مشهداً يومياً يفرض نفسه على المارة، ويحفر في الذاكرة البصرية للعاصمة جرحاً لا يلتئم. ما كان بالأمس ظاهرة هامشية، صار اليوم عنواناً للمدينة. فالحرب التي أخرجت الأسر من بيوتها، وفقدت معها مصادر الدخل، دفعت بالكثيرين إلى الشارع بلا خيار. لكن الخطر الأكبر أن الشارع لم يعد للسودانيين وحدهم.

فمن بين المتسولين، من دخل البلاد بطرق غير شرعية، وحمل معه عاداته، وشبكته، وسلوكه. فتلوثت الصورة البصرية، وتضاعف الضغط على الخدمات، واختلط الحابل بالنابل حتى صار التمييز بين المحتاج الحقيقي ومن اتخذها مهنة أمراً عسيراً.

والأمر لا يتوقف عند التشويه البصري. فالتسول العابر للحدود يمكن أن يكون غطاء لشبكات جريمة منظمة تهدد الأمن الاجتماعي للبلد، وتستغل الفوضى في التجنيد، والاتجار بالبشر، ونقل المخدرات. كما أن بعض هذه الجماعات قد تكون حاملة لأمراض مستوطنة، فيتحول الشارع من فضاء عام إلى مصدر قلق صحي يصعب احتواؤه. لذلك لم يعد التسول قضية إحسان فحسب، بل صار ملفاً سيادياً يمس الأمن والمجتمع والصحة العامة.

هنا يأتي دور المؤسسات الاجتماعية والأمنية والصحية معاً. فالضبط الأمني للحدود، ومراجعة الإقامات، وآليات الترحيل المنضبطة، هي خط الدفاع الأول. وعلى الصعيد الداخلي، فإن الحل يبدأ بفرز الحالات: من يستحق الدعم يُعان، ومن اتخذها مهنة يُقوّم. ومع مراكز التأهيل، وبيوت الإيواء، ومشروعات التمكين الاقتصادي، يمكن تحويل المتسول إلى منتج. ومع حملات التوعية، يمكن إعادة تعريف العطاء، بحيث لا يكون تشجيعاً على التسول، بل دعماً للكرامة.

 

فالكرامة لا تُشترى بجنيه يُلقى في يد، بل تُبنى ببرنامج يُعيد الإنسان إلى مكانه. والخرطوم التي نريدها، ليست مدينة تملؤها الأيدي الممدودة، بل مدينة تملؤها الأيادي العاملة. والعبرة بالخواتيم، فمن يستر عورة المدينة اليوم، يستر وجهه غداً.لذا هذه رسالة عاجلة وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية للتحرك عاجلا في علاج هذه الظاهرة التي تهدد البشر وتلوث البصر.

 

للمداد بقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى