
محمد مصطفى..يكتب..فخاخ العلاقات.. هل أصبحنا نعيش في “زمن التوكسيك”؟
لم يعد الوجع الذي نشعر به في علاقاتنا الإنسانية مجرد “خلاف عابر” أو “سوء تفاهم” يمكن تجاوزه بكلمة طيبة؛ بل أصبحنا اليوم أمام معجمٍ كامل من المصطلحات النفسية التي تصف واقعاً مريراً يطرق أبواب بيوتنا وعقولنا يومياً. في المقاهي، على منصات التواصل، وفي جلسات الأصدقاء، يتردد صدى كلمات مثل “النرجسية”، “التعلق المرضي”، و”الابتزاز العاطفي” وكأننا في مختبر نفسي مفتوح.
برأيكم، هل نحن بالفعل نعاني من هذه المشاكل في حياتنا اليومية؟ أم أننا بدأنا فقط في تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية؟ إن المتأمل في علاقاتنا المعاصرة يلحظ انتشار الشخصية النرجسية التي تمارس الصمت العقابي كأداة للسيطرة، أو تلجأ إلى التلاعب النفسي والتشكيك في الواقع (الغازلايتينغ) لتجريد الطرف الآخر من ثقته بنفسه. هذا النوع من الاستنزاف ليس مجرد ضغط عصبي، بل هو هدم ممنهج للصحة النفسية.
في الجانب الآخر، نجد أنفسنا في دوامة من أنماط التعلق غير المستقرة؛ ما بين التعلق القلق الذي يطارد الأمان، والتعلق التجنبي الذي يهرب من القرب. وما بينهما يبرز الحب المشروط الذي يضع الإنسان في حالة اختبار دائم، والابتزاز العاطفي الذي يحول المودة إلى مقايضة رخيصة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالمجتمع اليوم يعاني من ظواهر مثل:القصف العاطفي: تلك البدايات المزيفة التي تليها صدمة الانسحاب أو الفتور العاطفي.لعب دور الضحية: كوسيلة للتهرب من المسؤولية وممارسة الإسقاط النفسي على الآخرين.العلاقات الرمادية: حيث الضياع بين الحضور والغياب، وغياب الحدود الشخصية التي تحمي كيان الفرد.
إن مانسميه اليوم بـ “مؤشرات الخطر” (Red Flags) ليس مجرد تريند عابر، بل هو صرخة وعي في وجه الكاريزما السامة والشخصية المسيطرة. إننا في أمسّ الحاجة اليوم إلى الانتقال من مرحلة المعاناة الصامتة إلى مرحلة التشافي النفسي وفك الارتباط العاطفي بكل ما يستهلك أرواحنا.إن إدراكنا لـ مؤشرات الأمان وفهمنا لعمق الاستنزاف النفسي الذي نعيشه، هو الخطوة الأولى نحو بناء علاقات سوية. فالعلاقة التي لا تمنحك الأمان، ليست علاقة.. إنها زنزانة اختيارية.




