
(عين الكلمة)صلاح الريح يوسف..يكتب..حرب الوكالة.. حين يصبح السودان ساحة تصفية حسابات
السودان لا يُحارب جيشاً واحداً على الأرض، ولا يواجه عدواً بملامح مكشوفة. إنها معركة تُدار من غرف عمليات بعيدة، بتمويل معروف، وغطاء سياسي، وأدوات محلية تلبس زي المليشيا وتتحدث بلسان الفوضى.. هكذا هو الواقع الماثل الذي يجب أن يعرفه الجميع .
هكذا صار السودان ساحة تصفية حسابات إقليمية، وميداناً لتجريب نظريات تفكيك الدول من الداخل. فمنذ اليوم الأول، لم يكن الهدف إسقاطاً سريعاً، ولا تسوية تُفضي إلى قيام دولة متماسكة. كانت الخطة أدهى وأمضى: دعم المليشيا بالسلاح والمال والإعلام، وشد الأطراف بفتح الجبهات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وإطالة زمن الحرب حتى ينهك الجسد السوداني وتتآكل مناعته لكي يتقطع إربا إربا .
إنها معادلة حروب الجيل الرابع التي لا تحتاج إلى احتلال مباشر، بل إلى استنزاف ممنهج يضرب الجذور قبل الفروع، ويجعل من الفوضى أداة حكم من أجل خطط بعيدة المدى .
ولماذا السودان بالذات؟ لأن السودان مفتاح القرن الأفريقي وبوابة البحر الأحمر، ولأن في تماسكه قوة، وفي انهياره فرصة. فبعض دول الإقليم ترى في سودان موحد ذي جيش مهني تهديداً لنفوذها واطماعها ، فاختارت أن تحاربه بالوكالة، وأن تُبقيه مشغولاً بنفسه حتى لا ينهض. فالسودان يمتلك أرضاً زراعية شاسعة، وذهباً، ومياهاً وموانئ، وموقعاً يتحكم في مسارات التجارة والهجرة، ومن يمسك به، يمسك بميزان القوى في الإقليم، بل ابعد من ذلك .
لكن الحرب الوجودية لا تُكسر بالبندقية وحدها. فمعركة السودان اليوم ثلاثية الأبعاد، لا ينجح فيها بعدٌ دون الآخر.
على الصعيد الدبلوماسي، صار لزاماً فضح الداعمين بالأسماء والوقائع في المحافل الدولية، لأن السودان دولة ذات سيادة تتعرض لعدوان، لا دولة ضعيفة تتسول الدعم. وعلى الصعيد الأمني، فإن استكمال تحرير المدن، وتأمين الحدود، وتجفيف مصادر التمويل والتجنيد، هو ما يمنع المليشيا من إعادة التموضع. أما على الصعيد الاستراتيجي، فإعادة بناء تحالفات السودان الإقليمية والدولية على أساس المصالح المشتركة، وتشكيل جبهة أفريقية عربية تدرك أن سقوط الخرطوم يعني سقوط الإقليم كله، هو الضمانة الحقيقية لقطع الطريق على مشروع التقسيم الذي يدار بخبث في الغرف المظلمة .
وما يجري في السودان ليس شأناً داخلياً يمكن احتواؤه. فانفجار السودان يعني انفجار الحزام الممتد من الساحل إلى القرن الأفريقي.
أفريقياً، سيتحول الساحل إلى منطقة نفوذ للإرهاب، وتتضاعف أزمات اللاجئين، وتُفتح طرق جديدة للاتجار بالبشر والسلاح. وعربياً، فإن البحر الأحمر مهدد، والأمن القومي العربي يتآكل من بوابة الخرطوم، لأن السودان هو خط الدفاع الأول عن العمق الاستراتيجي العربي.. ولكن الوكلاء يجهلون، بل يخافون ولسان حالهم المتلعثم يقول : سمعا وطاعة، ولكن سيرتد الخنجر المسموم على الفاعل قبل المفعول به.
فمعركتنا اليوم ليست بين سودانيين، بل هي معركة على سودان موحد قوي مستقل. وكل من يمد المليشيا بالسلاح، يمد يده لتقسيم الإقليم غداً. لذلك فالخيار واحد لا ثاني له: النصر أو السقوط الجماعي.
والشعب الذي يقاتل بالنيابة عن الجميع، جدير بأن ينتصر، وأن يكتب على ترابه أن السودان لا يُكسر، ولا يُشترى، ولا يُقسم.. والعبرة بالخواتيم .




