
ياسين عمر يكتب: مؤتمر برلين حول السودان… 13 ملاحظة بين مسارات الحرب وأفق التسوية
يسعى مؤتمر برلين بشأن السودان إلى الدفع نحو وقف العنف وخفض التصعيد بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع، عبر ممارسة ضغوط دولية على أطراف الصراع، تمهيدا لتهيئة بيئة مناسبة لتسوية سلمية شاملة، كما يركّز المؤتمر على احتواء مخاطر تمدد النزاع إقليميا، لا سيما على الحدود مع تشاد، وفي ظل التطورات المرتبطة بتسلل مجموعات مسلحة من جنوب السودان عبر الحدود نحو إقليم النيل الأزرق، وما ترتب على ذلك من اضطرابات ميدانية شملت سقوط مدينة الكرمك في سياق العمليات العسكرية المتبادلة.
وفي السياق ذاته، تثير التصريحات الصادرة عن قيادات رفيعة في الجيش السوداني بشأن استخدام أراضٍ إثيوبية في عمليات تدريب، في ظل حالة التعبئة الجارية، مؤشرات مقلقة على تصاعد التوترات الإقليمية. إذ إن استمرار هذا التصعيد الخطابي دون احتواء قد يقود إلى انزلاق خطير نحو مواجهات فعلية، بما يهدد استقرار الإقليم، ويلقي بظلاله على الأمن الأفريقي، ويمتد أثره إلى المحيطين العربي والأوروبي.
ويأتي مؤتمر برلين في إطار محاولة جادة لإعادة ترتيب المشهد السوداني، عبر الدفع بالقوى السياسية المتصارعة نحو تهيئة مناخ مناسب لحوار وطني جامع، يفضي إلى تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها، وهو ذات المسار الذي تعثرت فيه جهود دولة رئيس الوزراء، إذ لم تنجح المبادرات المطروحة في إحداث اختراق حقيقي في جدار الأزمة أو دفع عملية السلام إلى الأمام بالقدر المأمول، ومن هنا ينصرف الرهان الدولي إلى إعادة توجيه البوصلة من منطق الصراع إلى منطق التسوية، استنادا إلى حقيقة راسخة في تجارب الشعوب، مفادها أن الحروب نادرا ما تُحسم عسكريا، وأن نهاياتها تُصاغ في الغالب عبر طاولات التفاوض والحوار.
وفي هذا الإطار، برزت ضمن أجندة المؤتمر محاولة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف السياسية المرتبطة بمعسكري الصراع، سواء الداعمة لمؤسسات الدولة ممثلة في الجيش السوداني أو المتحالفة مع مليشيا الدعم السريع، وذلك عبر تضييق فجوة التباعد وتقريب وجهات النظر تمهيدًا لخلق أرضية مشتركة للحل، غير أن تعقيدات الواقع السياسي السوداني تظل عامل إعاقة رئيسيا، إذ تحكمه حالة من التشاكس المزمن بين الفاعلين، حيث يغلب منطق الإقصاء والمكايدة على حساب التوافق الوطني.
يتجلى مضمون المثل الشعبي السوداني (يا فيها يا نطفيها) كتعريف دقيق لسلوك بعض القوى السياسية، التي تميل إلى عرقلة أي مسار لا تكون شريكا أصيلا في صناعته، مما يضعف فرص بناء الثقة ويحد من فاعلية أي جهد دولي يسعى لتقريب المسافات بينها.
إن حشد الدعم الإغاثي الدولي للمتضررين من الحرب يُعد أولوية مُقدّمة على أي ترتيبات سياسية أو محاولات لتقريب وجهات النظر، لما له من أثر مباشر في تخفيف حدة النزوح، وحماية ما تبقى من النسيج الاجتماعي، وتقليل الضغوط الأمنية الناتجة عن تدهور الأوضاع المعيشية، فضلا عن كونه عاملا أساسيا في منع انزلاق الأزمة إلى مستويات أكثر تعقيدا يصعب احتواؤها لاحقا وقد وصلت جملة التعهدات للسودان مبلغ مليار وخمسمائة مليون يورو في مؤتمر برلين للسودان وهو رقم لا يستهان به.
ما يُؤسف له أن جزءا معتبرا من المشهد السياسي السوداني تحول إلى ما يشبه شبكات مصالح أكثر من كونه فاعلًا وطنيًا مسؤولًا، إذ تُظهر بعض القوى أو ما يمكن وصفه بـ (سماسرة السياسة) عزوفا واضحا عن الجلوس الجاد إلى طاولة الحوار الداخلي، ليس عجزا عن النقاش، بل لأن منطق التوافق قد يُفقدهم امتيازات ترتبط ببيئات الاجتماعات الخارجية، والإقامة في الفنادق الفاخرة، وتدفق الأموال التشغيلية والدعم المرتبط بالمنظمات.
تبدو معاناة السودانيين وكأنها خارج حسابات كثير من الفاعلين، حيث تُختزل القضية الوطنية في مساحات تفاوضية تدار بمنطق المكاسب لا بمنطق الحلول، وتترك آهات الناس وضغوط الحرب جانبا دون اعتبار حقيقي لثقلها الإنساني، وبهذا المعنى، لا يبتعد المشهد كثيرا عن صورة (تاجر السيارات) الذي يبالغ في وصف بضاعته، ثم يمرر صفقة ناقصة المواصفات بثقة مزيفة، ليهمس بعد إتمام البيع بالعبارة الشهيرة لزميله: (ركبته ليك)، في إشارة رمزية إلى تمرير الخداع تحت غطاء المهارة.
من الأهمية الاستراتيجية لمعسكر الحكومة السودانية والقوى السياسية الوطنية ضمان حضور فاعل ومؤثر في المنصات الدولية الجامعة، مثل مؤتمر برلين حول السودان، التي تشارك فيها أطراف دولية وإقليمية وازنة، من بينها الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والخماسية فهذه المحافل تمثل فضاءات حاسمة لتشكيل التصورات الدولية حول الأزمة السودانية، والتأثير في اتجاهات القرار السياسي والإنساني.
إن غياب الصوت الأبرز المعبّر عن ضحايا مجزرة المساليت، ممثلًا في الناظر السلطان بحر الدين، بدعوى تعذر الحصول على التأشيرة، يعكس فجوة مؤثرة في تقديم الرواية الوطنية في لحظة دقيقة، ويزداد أثر هذا الغياب بالنظر إلى ما قدّمه من مرافعات قوية في مؤتمر باريس حول السودان 2024، حيث نجح في نقل معاناة الضحايا بلغة قانونية وإنسانية لاقت صدى دوليًا.
وعليه، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربة مؤسسية مرنة داخل المعسكر الداعم لمؤسسات الدولة، تقوم على مبدأ تبادل الأدوار وتعدد ممثلي الخطاب، بما يضمن استمرارية الحضور وعدم ارتهان التأثير لشخصيات بعينها، فاستدامة التمثيل الفاعل تسهم في تحصين السردية الوطنية، وتحد من فرص بروز روايات بديلة قد تعيد توصيف الأزمة خارج سياقها الحقيقي.
إن الغياب أو ضعف التمثيل في مثل هذه المحافل لا يقتصر أثره على فقدان منصة للتأثير، بل قد يفتح المجال أمام تدويل أعمق للأزمة، بما قد يقود إلى مقاربات ذات طابع قانوني وأمني أكثر تعقيدا، تصل في مآلاتها إلى استدعاء أدوات تدخل دولي تحت مظلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو مسار يحمل تداعيات مباشرة على سيادة الدولة واستقرارها.
من نافلة القول، عزيزي القارئ، إن مؤتمر برلين حول السودان يضم نحو 45 مقعدًا، خُصص منها 10 مقاعد لأصحاب المصلحة، فيما توزعت بقية المقاعد على قوى سياسية تتباين مواقفها بين المعارضة والحياد إزاء دعم وتعزيز دور مؤسسات الدولة القومية أو الانحياز رسميا إلى صفوف مليشيا الدعم السريع.




