
تقرير – الرسالة نيوز
في مشهدٍ تداخلت فيه رائحة البخور والقهوة السودانية بعبق التاريخ الموثق في الكتب، شرف الفريق مالك عقار أير، نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عصر الأحد (ثالث أيام عيد الفطر المبارك)، احتفالية “معايدة الصحفيين والإعلاميين” بالمكتبة الولائية العامة ببورتسودان. الفعالية التي نظمها “مركز عنقرة للخدمات الصحفية” لم تكن مجرد بروتوكول اجتماعي لتبادل التهاني، بل تحولت إلى “منصة مكاشفة” وطنية حضرها كبار قادة الدولة، والرموز السياسية، والدبلوماسيون، بجانب حشد من الأدباء والفنانين، لترسل رسالة مفادها أن “عاصمة البلاد الإدارية المؤقتة” لا تزال تنبض بروح المقاومة الفكرية.

خطاب المكاشفة: عقار يحيي “جنود الأقلام” ويثمن الصمود في خنادق الكلمة
وبصراحته المعهودة، وجّه الفريق مالك عقار تحية إجلال للصحفيين السودانيين، واصفاً عملهم في ظل شح الإمكانيات بـ “الجهاد الوطني”. واستدعى عقار موروثاً من جبال “الأنقسنا” ليؤكد للصحفيين أن حقائقهم باقية في وجدان الشعب ومسموعة عند الله، حتى وإن صمتت الآذان عنها. وأكد أن الإعلاميين سهروا الليالي للتعبئة ومجابهة “الأخبار الكاذبة”، مدافعين عن سيادة الوطن من بورتسودان والمدن الأخرى، مشيداً بمركز “عنقرة” وبالمكتبة الولائية التي أصبحت “الحضن الدافئ” والمأوى للصحفيين الذين فقدوا دورهم في الخرطوم جراء الحرب الغاشمة.
وصايا بورتسودان”: العودة إلى “الورق” كدرع ضد تزييف التاريخ
وفي لفتة مهنية لافتة، دعا عقار إلى ضرورة استعادة هيبة “الصحافة الورقية”، محذراً من الاعتماد الكلي على المنصات الرقمية سريعة الزوال. وشدد على أن الورق يظل هو “الوثيقة الأرشيفية” التي لا تقبل التزوير، قائلاً: “الصحافة الورقية هي المرجع الذي سيوثق المجازر التي طالت دور الصحفيين والإذاعة والتلفزيون”. وطالب الإعلاميين بالاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب عبر إحياء دور الصحف والمؤسسات الصحفية العريقة، لضمان وصول المعرفة لمن لا يملكون الهواتف الذكية وللأجيال القادمة.

معادلة “قبول الآخر”: عقار يضع إصبعه على “الجرح النازف” في جسد الدولة
وانتقل نائب رئيس مجلس السيادة في خطابه من الجانب المهني إلى العمق الاستراتيجي، موضحاً أن أزمات السودان وحروبه المتكررة تنبع من معضلة “عدم قبول الآخر”. وبلهجة حازمة، دعا إلى محاربة “المناطقية” والإقصاء العرقي والثقافي، مؤكداً أن المخرج الوحيد هو الانصهار في بوتقة “الهوية السودانية”. وانتقد عقار بشدة حالة الانقسام المجتمعي، قائلاً: “الدول الأخرى تبني المواطن، لكننا في السودان نبني القبيلة والمنطقة.. نحن منغلقون في (الفارغة).. هذا ليس مزاحاً، السودان يتفتت بين أيدينا”.
تحذير “الساعة السادسة صباحاً”: سيناريو الرعب حال انهيار التماسك الوطني
ورسم الفريق عقار سيناريو قاتماً لمستقبل البلاد حال استمرار النعرات القبلية، محذراً من أن “الانهيار لن يستثني أحداً”. وقال بصرامة: “لو انهار السودان في تمام الساعة السادسة صباحاً، فإن أقاليم مثل شرق السودان ستحارب نفسها في تمام الثامنة صباحاً، وحدث ولا حرج عن دارفور، الخرطوم، الشمالية، ونهر النيل”. وشدد على غياب “التماسك” في الوقت الراهن، معتبراً أن الأولوية القصوى هي الحفاظ على بقاء “الكيان السوداني” موحداً، وإلا فلن تبقى مناطق لنتحدث عنها مستقبلاً.

“الوحدة أو الطوفان”: الرباعية المقدسة في ختام خطاب السيادة
واختتم عقار حديثه بتكرار كلمة “الوحدة” أربع مرات متتالية، موجهاً رسالة للعسكريين والمدنيين على حد سواء بضرورة الاحتفاظ بوحدة السودان كهدف لا يعلوه هدف. وأوضح أن الولاءات الدينية والمهنية والقبلية هي “حقوق ثانوية” تأتي بعد الولاء المطلق للدولة. ودعا الإعلاميين إلى قيادة حملة لتوعية الشعب وبناء “فضاء سوداني” يتجاوز المناطقية، مؤكداً أن التماسك الوطني هو الدرع الوحيد الذي سيحمي البلاد من مصير التشتت والضياع.

والي البحر الأحمر ومعركة الوعي: “الأقلام تسند البنادق في ميادين الكرامة”
من جانبه، أزجى والي البحر الأحمر، الفريق ركن مصطى محمد نور، تحايا الاحترام للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمستنفرين، مؤكداً أن تضحياتهم هي التي أتاحت إقامة مثل هذه الاحتفاليات. ووصف الوالي الصحفيين بأنهم “أبطال ميدان الوعي”، مشيداً بدورهم الحيوي في كشف الحقائق وتعرية الانتهاكات التي طالت المدنيين. وأكد أن الولاية تدعم كافة المبادرات التي تهدف لوحدة الصف والالتفاف خلف القوات النظامية، مثمناً حضور نائب رئيس مجلس السيادة الذي عكس تقدير الدولة لصناع الرأي العام في هذه المرحلة الحساسة.

معرض “ملامح سودانية”: الفن يوثق الصمود في وجه “تتار” العصر
وعلى هامش الفعالية، افتتح الفريق مالك عقار معرض (ملامح سودانية) للمصور محمد علي مخاوي، والذي ضم لوحات توثق لمعاهد ومواقع تاريخية من مختلف أنحاء السودان. المعرض مثل رسالة ثقافية قوية، حيث أكد عقار أن المكتبات أصبحت اليوم “أماكن مقدسة” يلوذ إليها السودانيون للراحة النفسية واسترجاع الذاكرة الوطنية وسط ركام الحرب، مشدداً على أن الثقافة هي الحصن الأخير الذي لن تسقطه المدافع.




