
محمد عثمان الرضي..يكتب..والي ولاية كسلا اللواء معاش الصادق الأزرق.. فيلا المليون دولار في الخرطوم ومعلم كسلا ينتظر مستحقاته
في كسلا، معلم ينتظر مستحقاته، ومريض ينتظر علاجه، وأسرة تكافح الفقر.. وفي الخرطوم، تتداول معلومات عن فيلا حكومية فاخرة يُقال إن قيمتها تقترب من مليون دولار! إن صحت هذه المعلومات، فنحن لا نكون أمام مجرد عقار، بل أمام سؤال صريح عن أولويات الإنفاق في ولاية مثقلة بالحاجة. تقول المعلومات المتداولة إن حكومة ولاية كسلا اشترت الفيلا في أحد الأحياء الراقية بالعاصمة، لتكون مقراً للمتابعة وسكناً لوالي الولاية اللواء معاش الصادق محمد الأزرق أثناء وجوده في الخرطوم، مع اكتمال إجراءات تسجيلها باسم حكومة الولاية. وهذه واقعة تحتاج إلى تأكيد رسمي ومستندات واضحة، لا إلى روايات متداولة.مليون دولار رقم لا يمكن التعامل معه كأنه بند عادي في ميزانية ولاية تعيش ظروف السودان الراهنة. وحتى إذا كانت الصفقة مستوفية للإجراءات القانونية، يبقى سؤال الجدوى قائماً: لماذا الشراء بدلاً من الإيجار؟ وما حجم الاستخدام الفعلي للعقار؟ وهل يمثل هذا الإنفاق أولوية في هذه المرحلة؟
لا أتهم الوالي بمخالفة أو تبديد للمال العام، فلا بد من مستند يثبت ذلك. لكن المسؤولية العامة تفرض مساءلة القرارات الكبرى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأموال عامة، لأن سلامة الإجراءات وحدها لا تجيب دائماً عن سؤال هل كان الإنفاق ضرورياً وحكيماً وفي كسلا ما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً؛ فقد شهدت الولاية احتجاجات وإضراباً للمعلمين بسبب مستحقات وفروقات مالية متأخرة، في وقت ظلت فيه قضايا التعليم والخدمات من أكثر الملفات إلحاحاً.هنا تقع المفارقة في أقسى صورها: معلم يطالب بحقه، وفيلا حكومية يُقال إن قيمتها تقارب المليون دولار. قد تختلف مصادر التمويل وأبواب الميزانية، لكن المواطن من حقه أن يسأل عن الأولوية التي تحكم القرار. فإذا كان الهدف توفير مقر للوالي أثناء وجوده بالعاصمة، فالسؤال الاقتصادي البديهي: هل امتلاك عقار بهذا الثمن أوفر وأكثر فائدة من استئجار مقر مناسب عند الحاجة؟ الإجابة يجب أن تكون بالأرقام، لا بالتبرير الإداري العام.وإذا كانت جهة حكومية أخرى قد تكفلت بالتمويل، كما تتردد المعلومات، فإن ذلك لا ينهي النقاش؛ فالمال العام يظل مالاً عاماً مهما تغير مصدره، ويظل من حق الناس معرفة سبب توجيهه إلى عقار سكني بدلاً من احتياجات أكثر التصاقاً بحياتهم.
كان يمكن لأي إنفاق استثنائي بهذا الحجم أن يثير نقاشاً حول بدائل ذات أثر مباشر: تأهيل المدارس، دعم المستشفيات والمراكز الصحية الريفية، توفير الأدوية، تحسين المياه، أو معالجة جانب من استحقاقات العاملين. وهذه ليست مزايدة سياسية، بل مقارنة طبيعية بين أوجه الإنفاق. وفي زمن الحرب تحديداً، ينبغي أن تصبح كلمة «ضرورة» أكثر صرامة؛ فموارد الدولة محدودة، بينما اتسعت دائرة الفقر والنزوح وتدهورت الخدمات. ولذلك فإن الإنفاق على أي كماليات مفترضة يحتاج إلى تبرير أقوى من ذي قبل. واللواء معاش الصادق الأزرق، بحكم خلفيته العسكرية، يعرف معنى شح الموارد في زمن الحرب. ومن هنا فإن السؤال الأوسع هو: هل تتناسب هذه الأولوية إن ثبتت مع الظروف التي تمر بها البلاد والولاية؟ لا أحد يطالب المسؤول بالعمل بلا مقر أو بتحمل مشقة لا تفرضها وظيفته؛ المطلوب فقط التمييز بين الحاجة الوظيفية والإنفاق الفاخر، وبين ما يخدم المؤسسة فعلاً وما يمكن تأجيله حتى تتجاوز البلاد محنتها والحسم لا يحتاج إلى سجال طويل. يكفي أن تقدم حكومة كسلا للرأي العام قيمة الصفقة، مصدر التمويل، التقييم العقاري، قرار الشراء، مبرراته، ودراسة المقارنة بين الشراء والإيجار. عندها يعرف المواطن الحقيقة، وينتهي الجدل. فإذا أثبتت الوثائق أن العقار ضرورة، وأن شراءه أكثر جدوى اقتصادياً، وأن الإجراءات سليمة، فليُعرض ذلك بشفافية. أما إذا أظهرت الأرقام أن كلفة الشراء لا تتناسب مع الاستخدام أو أن بدائل أقل تكلفة كانت متاحة، فإن مراجعة القرار ستكون احتراماً للمال العام لا تراجعاً أمام النقد.وفي النهاية، ليست القضية في جدران فيلا بالخرطوم، وإنما في معنى الأولوية نفسها. المواطن الكسلاوي لا يطلب قصراً؛ يطلب مدرسة، ودواءً، ومركزاً صحياً، وحقاً مالياً يصل في موعده. وفي بلد أنهكته الحرب، يصبح السؤال الأكثر إيلاماً وبساطة: حين تتاح للدولة أموال بهذا الحجم، لماذا لا يكون المواطن أول من يصل إليه أثرها؟




