
محمد عثمان الرضي..يكتب ..مذكرة الجمارك تهز ملف الاستيراد.. هل أخطأت حكومة كامل إدريس الحسابات؟
مذكرة الجمارك تضع الحكومة أمام استحقاق عملي! حين يتقدم مدير قوات الجمارك، الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم، بمذكرة عاجلة إلى رئيس الوزراء كامل إدريس، مطالباً برفع الحظر عن الأرز والفول المصري وسلع أخرى، فإن المطلوب ليس مجرد تبادل المواقف، بل مراجعة القرار بالأرقام، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ إجراءات تعالج المشكلة من جذورها أكد الصادق جلال الدين صالح، رئيس الغرفة القومية للمستوردين، أن المذكرة رُفعت عبر وزارتي الصناعة والتجارة. وهذه الخطوة ينبغي أن تكون بداية لمراجعة مؤسسية تشمل الجهات المعنية بالاستيراد والإنتاج والنقد الأجنبي، بدلاً من معالجة ملف الحظر بمعزل عن بقية مكونات الاقتصاد الإجراء الأول: مراجعة عاجلة للقرار. على رئاسة مجلس الوزراء تكليف الجهات المختصة بإعداد تقييم فني واقتصادي للحظر، يوضح أثره على سعر الصرف، وتوافر السلع، والأسعار، والإنتاج المحلي. وينبغي أن ينتهي التقييم إلى توصية معللة: استمرار الحظر، أو رفعه، أو تعديله وفق معايير معلنة الإجراء الثاني: حسم ملف الأرز والفول المصري بالأرقام. المطلوب تحديد حجم الطلب المحلي، وحجم الإنتاج الوطني، والفجوة بين العرض والطلب، وتكلفة توفير البدائل. فهذه البيانات هي التي ينبغي أن تحدد القرار، لا التقديرات العامة أو الافتراضات غير المختبرة الإجراء الثالث: إشراك الجمارك في صناعة السياسة. يجب إنشاء آلية تنسيق دائمة تضم قوات الجمارك ووزارات المالية والتجارة والصناعة والجهات النقدية المختصة، تتولى دراسة القرارات المتعلقة بالاستيراد قبل إصدارها، وتقديم تقديرات بشأن آثارها المالية والتجارية والاقتصاديةالإجراء الرابع: تحديد مسؤولية كل مؤسسة. على الحكومة وضع مسار واضح لصناعة القرار، يبدأ بالدراسة الفنية، ويمر بالتشاور بين الجهات المعنية، وينتهي بإقرار السياسة وتحديد مؤشرات قياس نتائجها. كما ينبغي توثيق الملاحظات الفنية والرد عليها، حتى لا تتحول الخلافات المؤسسية إلى عقبات تعطل المعالجة. الإجراء الخامس: حماية النقد الأجنبي دون خنق الأسواق. بدلاً من الاعتماد على الحظر وحده، ينبغي ترتيب أولويات الاستيراد وفق حاجة البلاد، ومراجعة مصادر تمويل الواردات، وتشجيع الصادرات والإنتاج المحلي. ويجب أن تستند هذه التدابير إلى بيانات قابلة للقياس، مع تقييم دوري لفاعليتها الإجراء السادس: حماية المنتج المحلي بشروط واقعية. على الجهات المختصة تحديد السلع التي يستطيع الإنتاج الوطني تغطية احتياجاتها، وتلك التي لا يزال السوق يعتمد فيها على الاستيراد. ويمكن ربط أي قيود تجارية بمؤشرات الإنتاج الفعلي، حتى لا يُفرض الحظر قبل توافر البديل الكافي من حيث الكمية والسعر والجودة الإجراء السابع: وضع جدول زمني للمراجعة. القرارات الاقتصادية لا ينبغي أن تظل مفتوحة دون تقييم. المطلوب تحديد موعد لمراجعة آثار الحظر، ونشر نتائج التقييم، وتعديل الإجراءات إذا أثبتت البيانات أنها لم تحقق أهدافها أو ألحقت أضراراً غير مبررة بالسوق والمستهلك الإجراء الثامن: وضع المواطن في صدارة التقييم. ينبغي مراقبة أسعار السلع الأساسية وتوافرها في الأسواق، والاستفادة من بيانات المستوردين والتجار والجهات الرقابية لرصد أي نقص أو ارتفاع غير مبرر. فالنجاح لا يُقاس فقط بتراجع الطلب على النقد الأجنبي، بل أيضاً بقدرة المواطنين على الحصول على احتياجاتهم الأساسية.
السودان الذي أنهكته الحرب وتضررت فيه المصانع والبنية التحتية يحتاج إلى سياسات مرنة تراعي ظروف الإنتاج والإمداد. لذلك يجب أن يسبق أي حظر تقديرٌ لقدرة السوق على التكيف، وأن تتوافر بدائل عملية إذا تعذر الاستيراد، حتى لا تتحول المعالجة الاقتصادية إلى عبء إضافي على المواطنين مذكرة الجمارك فرصة لإصلاح آلية اتخاذ القرار. المطلوب من رئيس الوزراء كامل إدريس توجيه الجهات المعنية إلى دراسة المذكرة، وإعلان الأسس التي ستُبنى عليها الاستجابة، وتحديد المسؤوليات والجدول الزمني للتنفيذ. وبذلك تتحول المذكرة من مخاطبة إدارية إلى مدخل لتحسين التنسيق الحكومي لا يعني رفع الحظر بالضرورة أن القرار السابق كان خاطئاً، كما أن الإبقاء عليه لا يثبت نجاحه. الفيصل هو التقييم الموضوعي الذي يقارن بين المنافع والتكاليف، ويكشف أثر الإجراء على النقد الأجنبي والإنتاج والأسعار. وهذا هو النهج الذي ينبغي أن يحكم القرارات الاقتصادية في دولة تواجه ظروفاً استثنائية المطلوب أيضاً إعلان النتائج للرأي العام. على الحكومة توضيح ما استهدفه الحظر، وما تحقق منه، وما البدائل المتاحة، ولماذا اختارت الاستمرار فيه أو تعديله. فالمساءلة المبنية على البيانات تساعد على تصحيح السياسات، وتعزز الثقة في المؤسسات، وتحد من تكرار القرارات التي لا تخضع لتقييم كافٍ أخيراً.. المطلوب قرار مدروس لا معركة تبريرات! مذكرة الجمارك بشأن الأرز والفول المصري يجب أن تقود إلى مراجعة فنية، وتنسيق مؤسسي، وجدول زمني، ومؤشرات معلنة لقياس النتائج. وعلى الحكومة أن تحسم الملف وفق المصلحة العامة، لا وفق الاعتبارات الإدارية وحدها. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من القرارات بقدر حاجته إلى قرارات قابلة للقياس والمراجعة والمحاسبة، والمواطن الذي أنهكته الحرب يستحق سياسة اقتصادية تخفف أعباءه بدلاً من أن تضيف إليها.




