
بورتسودان: الرسالة نيوز
لا تبدو شخصية رجل الأعمال السوداني الأستاذ أشرف الكاردينال قادرة على العيش بعيداً عن عدسات الكاميرات، ولا عن الأضواء التي اعتاد الظهور تحتها، وكأن الحضور الإعلامي أصبح جزءاً من تعريف الذات، حتى في القضايا التي تتطلب قدراً من التواضع والهدوء واحترام خصوصية المجتمعات.
يخيّل للكاردينال، أو هكذا يظهر من خطابه العام، أن المال هو مفتاح كل الأبواب، وأن الثراء يمنح صاحبه تلقائياً شرعية التدخل في الشأن العام، متناسياً أن المال – في ميزان القيم – لا يصنع حكمة، ولا يشتري قبولاً اجتماعياً، ولا يمنح صاحبه صك قيادة.
ولو كان المال وحده يصنع المجد، لخلّد التاريخ قارون بخزائنه، ولصفّق لفرعون بسطوته، لكن العبرة دائماً كانت في المآلات، لا في الأرصدة، وفي المواقف لا في الأملاك.
خرج علينا الكاردينال في الآونة الأخيرة بصفته “مصلحاً اجتماعياً”، متحدثاً عن مبادرة للمّ الشمل ورتق النسيج الاجتماعي في شرق السودان، وكأن الإقليم يعيش حالة انهيار داخلي، بينما الواقع أن هذا الطرح لا يعكس الحقيقة بقدر ما يخدم أجندة قلة فقدت نفوذها، وتسعى للعودة عبر بوابة المبادرات المصنوعة.
من أوهم الكاردينال أن شرق السودان متنافر؟ ومن رسم له صورة إقليم ممزق ينتظر المنقذ؟ الحقيقة أن شرق السودان، رغم التحديات، أكثر تماسكا اليوم، وقد صهرت الحرب أبناءه في وجدان واحد، وعززت بينهم الإحساس بالمصير المشترك والانتماء الأصيل.
إن الأزمة الحقيقية في شرق السودان لا تكمن في نسيجه الاجتماعي، بل في أولئك الذين نصبوا أنفسهم أوصياء عليه، وتحدثوا باسمه دون تفويض، وجعلوا من قضاياه سلعة سياسية، بينما هم أبعد ما يكونون عن هموم المواطن اليومية.
شعب شرق السودان شعب واعٍ، خبر الشعارات، وجرّب المتاجرين بالقضايا، ويدرك جيداً من يستخدم اسمه عند فقدان السلطة، ومن يدهسه فور الجلوس على كراسي الحكم. هذه الازدواجية لم تعد خافية، ولم يعد لها سوق رائج.
أولئك الذين ظلوا يرفعون لافتة “الشرق” لتحقيق مصالحهم الضيقة، باتوا اليوم معزولين، بلا قواعد حقيقية ولا حضور جماهيري، وقد لفظهم الشارع الذي تعلم من تجارب الماضي.
ليس من الحكمة أن يتحول رجل الأعمال إلى وسيط اجتماعي مفروض، أو أن تُدار قضايا الأقاليم بعقلية رأس المال، فالمجتمعات لا تُدار بالشيكات، ولا تُشترى بالاستثمارات، ولا تُختزل في مبادرات موسمية.
شرق السودان لا يحتاج إلى وصاية مالية، بل إلى احترام إرادة أهله، والاستماع إلى أصوات قواعده، وتمكين شبابه الحقيقيين، لا استدعاء الوجوه المستهلكة التي لفظها الواقع.
ومن الأجدى للأستاذ أشرف الكاردينال أن ينصرف إلى مجال خبرته الطبيعي: المال والأعمال والاستثمار، وأن يترك القضايا الاجتماعية والسياسية لأهلها، فهم الأقدر على تشخيص مشكلاتهم، والأجدر بصياغة حلولهم.
شرق السودان إقليم غني بثرواته الطبيعية، وبطاقاته البشرية، وبشبابه الصادق الذي يعمل في صمت، بعيداً عن الضجيج الإعلامي، ومن دون حاجة لمنصات استعراض أو عدسات مصوّبة.
كما أن المبادرات الحقيقية لا تولد في الفنادق الفاخرة، ولا تُدار من الغرف المكيفة، ولا تُصاغ من شرفات تطل على البحر الأحمر، بل تنبع من القرى، ومن الهامش، ومن معاناة الناس الحقيقية.
فالمصالحات الاجتماعية الجادة لا تقوم إلا على أسس واضحة: رد المظالم، والاعتراف بالأخطاء، وتحقيق العدالة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وما عدا ذلك يظل مجرد خطاب ناعم بلا أثر.
إن تحويل القضايا الاجتماعية إلى مشهد إعلامي، أو منصة علاقات عامة، يفرغها من مضمونها، ويزيد الشكوك حول نوايا أصحابها، مهما حسنت الشعارات.
شرق السودان ليس مسرحاً للتجارب، ولا ساحة لتلميع الصور، ولا رقعة شطرنج لتحريك البيادق، بل إقليم حيّ، نابض، يمتلك من الوعي ما يكفي لحماية نفسه.
وأخيراً، فإن من أراد خدمة الشرق بحق، فليبدأ باحترام أهله، والإنصات لهم، والابتعاد عن فرض الوصاية عليهم، فالتاريخ لا يرحم، والذاكرة الجمعية لا تنسى، والشرق يعرف جيداً من يخدمه، ومن يتحدث باسمه فقط.




