
محمد عثمان الرضي.. يكتب..الدفاع المدني السوداني.. من ينقذ رجال الإنقاذ؟
حين يعجز رجال الإنقاذ عن الإنقاذ، لا تكون الكارثة في الحريق أو الانهيار وحدهما، بل في دولة تتركهم بلا أدوات لمواجهة الخطر. هذا هو التحدي الذي تواجهه قوات الدفاع المدني السودانية بعد الحرب، مع تسلّم اللواء شرطة يوسف الإمام قيادتها خلفاً للفريق شرطة عثمان عطا اللواء يوسف الإمام ليس غريباً عن الميدان. فقد قاد شرطة الدفاع المدني بولاية الخرطوم في ظروف بالغة التعقيد، وأبلى بلاءً حسناً. غير أن قيادة قوات على المستوى القومي تضعه أمام مهمة أكبر: إعادة بناء مؤسسة تضررت أصولها وإمكاناتها، بينما تتزايد الحاجة إلى خدماتها الدمار أصاب قلب المؤسسة. فقد تعرضت مباني القيادة وأصولها بالعاصمة الخرطوم للتدمير والنهب، ما يجعل استعادة الجاهزية معركة تبدأ بإعادة تأهيل البنية التحتية، ولا تنتهي بتوفير المعدات والآليات والكوادر المدربة وزارة المالية أمام مسؤولية لا تحتمل التأجيل. فإعادة بناء الدفاع المدني تحتاج إلى تمويل مخصص ومستدام، لا إلى مخصصات محدودة تغطي التشغيل اليومي. ومن دون ذلك، ستظل خطط التطوير رهينة الإمكانات الشحيحة كل نقص في التجهيزات قد تكون له كلفة بشرية. آليات الإطفاء والإنقاذ، والوقود، وقطع الغيار، ومعدات الحماية، ووسائل الاتصال ليست كماليات؛ بل شروط أساسية لتقليل زمن الاستجابة ومنع تحول الحوادث إلى كوارث انتهاء المعارك لا يعني انتهاء المخاطر. فالأنقاض والمباني المتضررة ومخلفات الحرب وعودة السكان إلى المناطق المتأثرة تفرض أعباء إضافية على الدفاع المدني، وتستدعي جاهزية تتناسب مع واقع ما بعد الحرب. الدفاع المدني ليس جهازاً شرطياً تقليدياً. إنه مؤسسة تخصصية تتطلب تقنيات وتدريباً وتمويلاً يتناسب مع طبيعة مهامها. والتعامل معها بعقلية الموازنات الاعتيادية يتجاهل حقيقة أن إخفاقها قد يعني فقدان أرواح كان بالإمكان إنقاذها لا إعمار بلا حماية. فإعادة فتح الأسواق وتأهيل الأحياء والمنشآت لا تكتمل دون قدرة على التعامل مع الحرائق والانهيارات والحوادث. لذلك، فإن تطوير الدفاع المدني جزء من البنية الأساسية للتعافي الوطني، وليس بنداً ثانوياً في خطط الإعمار التجارب الدولية تؤكد أهمية الجاهزية. تستثمر الدول المتقدمة في خدمات الإطفاء والإنقاذ وإدارة الكوارث، وتوفر لها الموارد والتقنيات اللازمة، مع اختلاف أنظمة إدارتها وتبعيتها. والدرس للسودان واضح: لا يمكن بناء استجابة فعالة من دون تمويل مستدام وتخطيط مؤسسي.
المطلوب خطة عمل لا وعود عامة. على القيادة الجديدة حصر الأضرار، وتحديد الاحتياجات والأولويات، ووضع جدول زمني لإعادة التأهيل والتحديث، مع توزيع وحدات الإنقاذ وفقاً للمخاطر والكثافة السكانية المعدات وحدها لا تكفي. فرفع كفاءة القوات يتطلب تدريباً متخصصاً، وحماية للعاملين، وتطوير غرف العمليات والاتصالات، وتعزيز التنسيق مع المستشفيات والسلطات المحلية لضمان استجابة سريعة ومنظمة الشفافية شرط لتوجيه الموارد. إن توثيق الأصول المدمرة والمنهوبة، وتحديد تكلفة إعادة التأهيل، ونشر تقارير دورية عن التنفيذ، يتيح الرقابة على الإنفاق ويحوّل الدعم المالي إلى نتائج ملموسة نجاح يوسف الإمام مسؤولية مشتركة. تقع عليه مسؤولية التخطيط والقيادة وتحديد الأولويات، لكن لا يمكن تحميله وحده تبعات مؤسسة أضعفتها الحرب. فالكفاءة الإدارية لا تعوّض غياب الآليات والتمويل، والإرادة لا تصنع معدات من العدم الدفاع المدني استثمار في حياة المواطن. وكل مبلغ يُنفق على جاهزيته هو استثمار في تقليل الخسائر وحماية الممتلكات وتسريع التعافي. أما إهماله، فقد يضاعف فاتورة الحرب بحوادث يمكن الوقاية من كثير منها أو الحد من آثارها.من ينقذ رجال الإنقاذ؟ أمام اللواء يوسف الإمام فرصة لإعادة بناء قوات أكثر جاهزية، وأمام الدولة اختبار حقيقي لجدية حماية مواطنيها. فلا يجوز أن نطالب رجال الدفاع المدني باقتحام النيران وانتشال الضحايا، ثم نتركهم يواجهون واجباتهم بإمكانات عاجزة. الدولة التي لا تجهّز رجال الإنقاذ، تترك مواطنيها لمواجهة الكارثة وحدهم.



