
محمد عثمان الرضي..يكتب..الخرطوم بين أنقرة والرياض.. حين تعبر معركة الكرامة حدود السودان
ليس من قبيل المصادفة أن تتحرك الخرطوم في اتجاهين متزامنين، أحدهما صوب أنقرة عبر رئيس هيئة أركان الجيش السوداني الفريق أول ياسر العطا، والآخر نحو الرياض عبر وزير الخارجية السفير محي الدين سالم. فحين تتزامن حركة العسكر والدبلوماسية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يصبح التوقيت في حد ذاته رسالة، وتتحول الزيارة من مجرد بروتوكول إلى جزء من هندسة أوسع للمشهد.أنقرة والرياض ليستا محطتين عابرتين في دفتر الزيارات الخارجية للسودان. فلكل عاصمة ثقلها وحساباتها ودوائر تأثيرها، ولذلك فإن اجتماع خطي الحركة السودانية في العاصمتين يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز ظاهر الزيارتين إلى ما يمكن أن يكون وراءهما من ترتيبات سياسية وأمنية واستراتيجية.
وزير الخارجية السفير محي الدين سالم يصل الرياض في توقيت بالغ الحساسية، حاملاً ملفاً يتجاوز التوقيع على وثيقة إلى محاولة تأسيس إطار مؤسسي جديد للعلاقات السودانية السعودية، من خلال مجلس التنسيق السوداني السعودي، بما يمكن أن يمنح العلاقة بين الخرطوم والرياض مساحة أوسع للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني. أهمية مجلس التنسيق لا تكمن في الاسم أو مراسم التوقيع، وإنما في قدرته على تحويل العلاقات الثنائية من تفاهمات متفرقة إلى مسارات مؤسسية قابلة للمتابعة والقياس. فالدول لا تبني شراكاتها الكبرى بالمجاملات، وإنما بالملفات، واللجان، والمصالح المشتركة، والقدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى أفعال. ويأتي ذلك بعد اعتماد أوراق السفير السعودي الجديد خالد الحربي سفيراً للمملكة لدى السودان، في خطوة تحمل قيمة رمزية وسياسية كبيرة، باعتباره أول سفير سعودي يعتمد أوراقه عقب استئناف العمل بالقصر الجمهوري في الخرطوم. والرسالة هنا لا تحتاج إلى كثير من الشرح: الخرطوم عادت إلى قلب المشهد، والدبلوماسية بدأت تتعامل معها باعتبارها عاصمة تستعيد حضورها ومؤسساتها.
أما أنقرة، فقصتها مختلفة. زيارة الفريق أول ياسر العطا إلى العاصمة التركية هي أول زيارة خارجية له منذ تسلمه مهامه، وهي في حد ذاتها تحمل وزناً خاصاً، بالنظر إلى أن الرجل ظل خلال الفترة الماضية قريباً من مسار العمليات العسكرية والميدان، ولم يكن بعيداً عن أكثر جبهات الحرب اشتعالاً. العطا لا يدخل أنقرة بصفة عسكرية مجردة؛ فهو يأتي من ميدان الحرب إلى طاولة السياسة والأمن. وهذه النقلة في حد ذاتها تستحق التوقف، لأن انتقال صاحب الخبرة الميدانية إلى عاصمة إقليمية مؤثرة يفتح أسئلة حول طبيعة الملفات التي يمكن أن تكون مطروحة على الطاولة، وحدود التعاون الممكن بين البلدين. تركيا، بحكم موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتشعبة في المنطقة، ليست دولة هامشية في الحسابات السودانية. ولذلك فإن زيارة رئيس هيئة الأركان إليها في هذا التوقيت يمكن قراءتها باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب شبكة العلاقات الخارجية للسودان، في مرحلة لم تعد فيها الحرب شأناً داخلياً خالصاً.
وهنا تبرز المسألة الأهم: الحرب السودانية، منذ اندلاعها، لم تعد تتحرك داخل الخرائط السودانية وحدها. المصالح الإقليمية والدولية، وحسابات البحر الأحمر، والممرات التجارية، والأمن الإقليمي، والتنافس على النفوذ، كلها جعلت السودان نقطة تقاطع لمصالح متعددة. ومن هذه الزاوية يصبح تزامن الرياض وأنقرة أكثر إثارة للاهتمام. فالسودان يتحرك دبلوماسياً في الرياض، ويتحرك عسكرياً وأمنياً في أنقرة، وكأن الخرطوم تقول إن معركة المرحلة المقبلة لن تكون فقط معركة استعادة الأرض، وإنما أيضاً معركة بناء شبكة علاقات تحمي القرار الوطني وتوسع هامش الحركة السودانية. السعودية تمتلك ثقلها العربي والإسلامي والإقليمي، وتركيا تمتلك ثقلها السياسي والعسكري والاقتصادي والجيوسياسي. وبين العاصمتين مساحة واسعة يمكن للسودان أن يتحرك فيها إذا أحسن إدارة أوراقه، من دون أن يحول علاقاته إلى اصطفافات حادة أو رهانات أحادية الجانب.
السياسة الذكية لا تبحث عن حليف واحد، وإنما تبني شبكة مصالح. والسودان، في هذه المرحلة تحديداً، يحتاج إلى دبلوماسية تعرف كيف تجمع بين ضرورات الأمن ومتطلبات السياسة وحاجات الاقتصاد، من دون أن تفقد بوصلتها الوطنية. ولذلك فإن مجلس التنسيق السوداني السعودي يمكن أن يمثل بوابة اقتصادية وسياسية مهمة، بينما يمكن أن تفتح زيارة أنقرة أبواباً أخرى في المجال الأمني والعسكري والتقني. وإذا أحسنت الخرطوم إدارة المسارين، فقد تتحول الزيارتان من حدثين منفصلين إلى قطعتين في لوحة استراتيجية واحدة.
لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول القراءة السياسية إلى وهم تحالفات جاهزة قبل أن تتضح نتائج الاجتماعات. فليس كل لقاء تأسيساً لتحالف، وليس كل زيارة مقدمة لاتفاق استراتيجي. السياسة أكثر تعقيداً من العناوين، والنتائج الحقيقية لا تقاس بعدسات التصوير ولا ببيانات المجاملة، وإنما بما يخرج إلى حيز التنفيذ. السودان اليوم بحاجة إلى أن يشرح نفسه للعالم، وأن يشرح للعالم أن معركته ليست مجرد صراع على السلطة، بل قضية دولة وسيادة ومؤسسات ومستقبل شعب. وهذا الخطاب لا ينبغي أن يظل عسكرياً وحده؛ بل يجب أن تسنده دبلوماسية قوية، واقتصاد قادر، ومؤسسات دولة تعمل بكفاءة.ومن هنا فإن تزامن زيارة العطا إلى أنقرة مع زيارة محي الدين سالم إلى الرياض يمكن أن يكون مؤشراً على تعدد مسارات الحركة السودانية: مسار عسكري يتعامل مع ضرورات الأمن، ومسار دبلوماسي يعيد بناء العلاقات، ومسار سياسي يبحث عن تثبيت موقع السودان في محيطه الإقليمي والدولي.
الأهم من ذلك أن الخرطوم يجب ألا تكون مجرد ساحة تستقبل المبادرات، بل طرفاً يصنع المبادرات ويحدد أولوياته. فالدولة التي تعرف ماذا تريد تستطيع أن تستفيد من تناقضات المصالح الدولية، أما الدولة التي لا تعرف ماذا تريد فستتحول إلى ورقة في أيدي الآخرين. وإذا كانت معركة الكرامة قد بدأت في شوارع ومدن السودان، فإن تداعياتها تجاوزت الحدود منذ زمن بعيد. وما يجري في البحر الأحمر، وما يدور في العواصم الإقليمية، وما يتصل بالسلاح والأمن والاقتصاد والدبلوماسية، كلها حلقات في سلسلة واحدة لا يمكن فصلها عن مستقبل الدولة السودانية. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا أنقرة؟ ولماذا الرياض في التوقيت نفسه؟ بل السؤال الأعمق: ماذا تريد الخرطوم من أنقرة والرياض، وماذا تستطيع أن تقدم لهما، وما الذي يمكن أن تحصل عليه في المقابل؟ هنا فقط يبدأ التحليل الحقيقي، وهنا تتحدد قيمة الزيارتين.
وفي السياسة، لا توجد مصادفات كثيرة عندما تتحرك الدولة في أكثر من اتجاه في اللحظة نفسها. قد تكون الرسائل ظاهرة، وقد يكون بعضها مخفياً، وقد تتكشف تفاصيلها خلال الأيام المقبلة. لكن المؤكد أن السودان يعيد ترتيب أوراقه الخارجية بعد مرحلة طويلة فرضت عليه الحرب عزلة قاسية وأثقالاً هائلة. الخلاصة أن معركة الكرامة لم تعد حدودها جغرافية، ولم تعد ساحاتها محصورة في الخرطوم أو الفاشر أو الأبيض أو غيرها من مدن السودان. إنها معركة على موقع السودان في الإقليم، وعلى قراره الوطني، وعلى شبكة تحالفاته ومصالحه. ومن يظن أن المعركة انتهت عند حدود الوطن، لم يقرأ بعد فصولها التي تُكتب في أنقرة والرياض.




