اعمدة ومقالات الرأى

محمد عثمان الرضي..يكتب..الجنرال امير عبدالمنعم فضل في الشمالية.. حين تسقط أسطورة الولاية المدللة

الخرطوم: الرسالة نيوز

محمد عثمان الرضي..يكتب..الجنرال امير عبدالمنعم فضل في الشمالية.. حين تسقط أسطورة الولاية المدللة

 

ما وراء الزيارة: لم تكن زيارة المدير العام لقوات الشرطة، الفريق أول شرطة أمير عبدالمنعم فضل، إلى الولاية الشمالية مجرد جولة لافتتاح مشروعات شرطية، بل حملت دلالات تتجاوز المراسم إلى سؤال سياسي مهم: هل تُقاس حظوظ الولايات بمواقع أبنائها في السلطة، أم بما يصل إلى مواطنيها من خدمات؟ الميدان يتحدث: شملت الزيارة محليات الدبة ومروي ودنقلا والبرقيق ودلقو والقولد، وتضمنت افتتاح مرافق شرطية وخدمية، وتدشين غرفة النجدة (999) وغرفة السيطرة والتحكم، ووضع حجر الأساس لمشروعات جديدة. هذا الانتشار يكشف أن تطوير الخدمات لا يزال ضرورة قائمة، حتى في ولاية يُعتقد على نطاق واسع أنها الأوفر حظاً أسطورة الولاية المدللة: ظل وجود أبناء الشمالية في مواقع متقدمة بالدولة يغذي الاعتقاد بأنها تحظى بامتياز تنموي. لكن المناصب لا تعني بالضرورة توجيه الموارد إلى مناطق المسؤولين؛ فالخلط بين الانتماء الجغرافي والقرار السياسي يحوّل المواطنين إلى متهمين بامتيازات لا يملكون إثباتها أو نفيها التهميش ليس انطباعاً: لا تُقاس عدالة التنمية بعدد المسؤولين المنحدرين من ولاية، بل بحجم الإنفاق، وتوزيع المشروعات، وجودة الخدمات. ولذلك، فإن وصف ولاية بأنها مدللة وأخرى بأنها مهمشة يحتاج إلى بيانات ومؤشرات، لا إلى مقارنات عاطفية تعمّق الانقسام بين السودانيينأمير ومسؤولية الدولة: كون الفريق أول شرطة أمير عبدالمنعم فضل من أبناء الشمالية يمنح الزيارة خصوصيتها، لكنه لا يجعل مسؤوليته محلية؛ فهو يقود مؤسسة قومية معنية بأمن المواطنين في جميع الولايات. والاختبار الحقيقي هو قدرة الشرطة على تطوير خدماتها وفق الحاجة، بعيداً عن الاعتبارات الجغرافية الحرب غيّرت الحسابات: استقبلت الشمالية أعداداً من النازحين، فتحملت أعباء إضافية على مرافقها وخدماتها. وهذا الواقع يستدعي تخطيطاً يراعي احتياجات المجتمعات المستضيفة، دون الانتقاص من حقوق الولايات الأخرى المتضررة. فالعدالة لا تعني نقل التهميش من منطقة إلى أخرى، بل معالجة أسبابه من الافتتاح إلى الاستدامة: لا تكتمل قيمة المشروعات بقص الشريط، وإنما بتوفير الكوادر والمعدات والتمويل، وضمان استمرار الخدمة. كما أن وضع حجر الأساس يظل وعداً بالتنفيذ، لا إنجازاً مكتملاً. ومن هنا، تصبح المتابعة والمساءلة معيارين أساسيين للحكم على نتائج الزيارة المواطن هو الحكم: ماذا تعني غرفة نجدة جديدة إذا تأخرت الاستجابة؟ وما قيمة مركز خدمات إذا تعذر تشغيله؟ هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن ترافق كل افتتاح، لأن النجاح لا يُقاس بعدد المنشآت وحده، بل بأثرها في حياة الناس وقدرتها على تخفيف معاناتهم الوطن أكبر من الجغرافيا: أسهم أبناء الشمالية، مثل أبناء بقية الولايات، في بناء مؤسسات السودان وخدمة مجتمعاته. وليس من الإنصاف اختزالهم في مواقع بعض المسؤولين، كما لا يجوز إنكار احتياجات مناطق أخرى. المطلوب تفكيك خطاب الامتياز المتوارث، واستبداله بنقاش جاد حول السياسات والموارد والحقوق الخلاصة: أعادت زيارة المدير العام لقوات الشرطة إلى الشمالية طرح حقيقة سياسية غابت خلف الصور النمطية: لا المناصب دليل على رفاه الولايات، ولا الشكوى وحدها دليل على التهميش؛ الفيصل هو ما تنجزه الدولة وما يلمسه المواطن. والسودان الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى منافسة في المظلومية، بل إلى دولة عادلة توزع مواردها وفق الاحتياجات، وتحاسب مؤسساتها على النتائج، وتضمن الأمن والخدمات لكل مواطنيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى