
محمدعثمان الرضي..يكتب..الخرطوم بين قبضة الدولة ومستنقع الفوضى… اسحبوا السلاح فوراً
استعادة الخرطوم لا تكتمل بتحرير الأرض وحده، وإنما تكتمل بعودة هيبة الدولة وسيادة القانون في كل شارع وحي ومرفق عام، وإلا فإن النصر يظل ناقصاً. العاصمة القومية لا يجوز أن تبقى رهينة للفوضى أو ساحة مفتوحة لحملة السلاح، لأن هيبة الخرطوم من هيبة السودان نفسه. المواطن الذي عاد إلى منزله بعد شهور القهر والنزوح لم يعد ليواجه الرعب من جديد، بل عاد بحثاً عن الأمن والاستقرار والحياة الطبيعية.
من حق أهل الخرطوم أن يروا الدولة حاضرة بقانونها ومؤسساتها، لا أن يروا مظاهر القوة المنفلتة والسلاح المتجول في الطرقات. أي سلاح خارج إطار القانون يمثل تهديداً مباشراً للسكينة العامة، مهما كانت الجهة التي تحمله أو المبررات التي تسوقها. لا توجد دولة محترمة تسمح بتعدد مراكز القوة داخل عاصمتها، لأن ذلك هو الطريق الأقصر نحو الانفلات والارتباك والانهيار. المطلوب الآن قرار حاسم لا يعرف التردد: منع حمل السلاح داخل الخرطوم ومنع التجوال المسلح داخل الأحياء والأسواق والمرافق العامة. المجاملة في القضايا الأمنية جريمة سياسية، والتهاون في تنفيذ القانون دعوة مفتوحة للفوضى.
التفلتات التي تحدث من بعض النظاميين من حين لآخر تسيء إلى صورة الدولة أكثر مما تسيء إلى الأفراد، لأنها تهز ثقة المواطن في المؤسسات. الرسالة التي يجب أن تصل للجميع واضحة وصريحة: لا أحد فوق القانون، ولا حصانة لمن يروع المواطنين أو يعبث بأمن العاصمة. الجهة المختصة بحفظ الأمن الداخلي هي قوات الشرطة، فهي صاحبة الواجب القانوني والأصيل في بسط الطمأنينة وحماية الأرواح والممتلكات. وعلى الدولة أن تمنح الشرطة كل ما تحتاجه من دعم وسلطات وإمكانات حتى تضطلع بمسؤوليتها كاملة من دون إعاقة أو تدخل.
أما بقية القوات النظامية فمكانها الطبيعي المعسكرات والمواقع المحددة، وليس الأحياء السكنية والشوارع العامة. التحركات داخل العاصمة يجب أن تكون وفق أوامر واضحة، ومهام محددة، وضرورات قصوى، وتحت رقابة صارمة لا تعرف التساهل. الخرطوم ليست ثكنة عسكرية، وليست مسرحاً لاستعراض النفوذ، وإنما مدينة يجب أن تعود إليها الحياة المدنية بكل احترام وانضباط. المواطن الذي شاهد المأساة بعينيه لن يطمئن ما دام يرى السلاح منتشراً بلا ضابط، لأن الذاكرة ما زالت مثقلة بالخوف والجراح.
فرض النظام اليوم ليس رفاهية، بل شرط أساسي لعودة الخدمات والاستثمار والتعليم والحياة العامة. إذا غابت هيبة الدولة حضرت العصابات، وإذا تراخى القانون تمددت الفوضى، وهذه معادلة لا تقبل الجدل. الخرطوم تحتاج إلى حملة أمنية شاملة تنظف الشوارع من السلاح المنفلت، وتعيد الانضباط، وتبعث برسالة قوة لكل من يستهين بالدولة. آن الأوان لإعلان صارم ومدوٍ: العاصمة للمدنيين، الأمن للشرطة، والسلاح مكانه المعسكرات… ومن يخالف فليواجه القانون بلا رحمة.




