اعمدة ومقالات الرأى

(كاني ماني )يحيى البحاري يكتب..تحت حماية العفو العام

الخرطوم: الرسالة نيوز

(كاني ماني )يحيى البحاري يكتب..تحت حماية العفو العام

كان ياما كان في حاضر الأزمان في بلاد صار فيها إهدار دم الأبرياء بندا قابلا للتفاوض، والاغتصاب يعتبر ماض سينسى، والنهب سلوكا عاديا، كانت المواد 51 و52 و53 من القانون الجنائي السوداني تقود الى السجن أو إلى الإعدام ثم تأتي الوثيقة الدستورية (العرجاء) تمنح مجلس السيادة حق العفو العام. وكأنها إعلان عن غسيل الجرائم. فجأة يتحول القاتل إلى مشارك في السلام! والقاتل إلى صاحب مظلمة، والمغتصب إلى حالة تستحق التسوية الوطنية! أي عبقرية قانونية هذه التي تقرر أن من حمل السلاح ضد المواطنين، ونهب البيوت، وأذل المواطن، يمكن أن يخرج من كل ذلك بتوقيع عفو عام وربما ابتسامة بروتوكولية وصورة تذكارية؟. هذا وكأنما الوطن صار مغسلة تدخلها الجرائم ملطخة بالدماء، فتخرج منها ناصعة البياض. العفو العام لايبدو كأنه نصوص قانونية تحقق العدالة بقدر ما يبدو إعلانا يقول

للضحايا شكرا لصبركم! أما الجناة فسنعتني براحتهم. فبدلا من أن تكون العدالة ملاذا آمنا للمواطن، تحولت إلى موظف يرحب بالقادمين من ساحات الجرائم بابتسامة دبلوماسية تفضلوا ياسادة العفو جاهز. كيف يمكن لأمٍ فقدت أبناءها، أو لفتاة نجت من الاغتصاب، أو لرجل شاهد منزله يُنهب أمام عينيه، أن يفهم معنى العفو العام؟ ماذا سيقال لهم؟ أن الوطن يحتاج إلى التسامح؟ أم أن الجرائم تصبح أخف وزنا عندما يرتكبها أصحاب البنادق؟ الطريف أن بعض الساسة يتحدثون عن العفو العام وكأنه فتح قانوني عظيم، بينما في حقيقته رسالة تقول لكل مجرم:افعل ما تشاء. ففي نهاية المطاف ستجلس إلى طاولة التسوية، وربما تحصل على منصب أيضا. وهكذا تتحول الدولة من مؤسسة

تحاسب المجرمين إلى لجنة لإعادة ترتيبهم سياسيا. ثم يحدثوننا بعد ذلك عن هيبة القانون! أي هيبة هذه التي تجعل من القاتل هو الحارس الأمين؟ القانون الذي يعجز عن إنصاف الضحية لكنه يتفنن في إنقاذ الجاني حتما إنه قانون لا يملك هيبة، فالعدالة التي لا ترى دماء الأبرياء، لكنها ترى ضرورة حماية القاتل، ليست عدالة… بل صفقة سياسية رخيصة تحت حماية القانون. إن أخطر ما في العفو العام ليس فقط إنه يمنح العفو، بل أنه يقتل فكرة الوطن نفسها، لأنها يدحض العدالة. ويجتثها من جذورها فالوطن لايبنى على نسيان الجرائم تحت مفهوم المصالحة، بل يقوم على مبدأ بسيط من قتل يُحاسب، ومن نهب يُحاسب، ومن اغتصب يُحاسب. ولهذا نقول جهرا: ومن حمل السلاح ضد الدولة فهو آمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى