
د.اسماعيل الحكيم ..يكتب..الوعي.. خط الدفاع الأول
إن من البداهة الإقرار أن ليس كل خطرٍ ترده القوانين، ولا كل أزمةٍ تحاصرها اللوائح، ولا كل مشكلةٍ يحلها التشريع. فقبل القانون نصاً، واللائحة إجراءً، والتشريع إطاراً، هناك وعيٌ يسكن الإنسان، يضيء له الطريق، وينبهه إلى الخطر قبل أن يقع، ويمنحه القدرة على أن يختار وأن يتصرف وأن يتحمل مسؤولية اختياره. فالوعي هو خط الدفاع الأول، وما يأتي بعده من قوانين وتشريعات ليس إلا خطوط دفاع لاحقة.ويجيء أكتوبر الوردي أنموذجاً ساطعاً لهذه الحقيقة؛ ففي هذا الشهر تتعالى الأصوات للتوعية بسرطان الثدي، وتُفتح نوافذ المعرفة، وتُدعى النساء إلى الانتباه والفحص والاستشارة. حيث تبدأ الحملة بالوعي وتنتهي بالوعي؛ لأن المعرفة، مهما اتسعت، لا تؤتي أكلها ما لم تتحول إلى إدراكٍ وسلوك. فالإنسان قد يعرف الخطر ولا يتقيه، ويعرف الحقيقة ولا يعمل بها؛ وما يصنع الفارق هو أن تتحول المعلومة إلى وعي، والوعي إلى ممارسة.
والوعي أوسع من أن يكون معرفةً بمعلومة؛ إنه بصيرةٌ ترى ما وراء المعلومة. به نقرأ الأحداث، ونزن الآراء، ونحسن اتخاذ القرار، ونشارك في الشأن العام دون اندفاع، ونحل مشكلاتنا قبل أن تستفحل. وفي عصرٍ تتدفق فيه الأخبار والشائعات والمعلومات المضللة، أصبح الوعي الإعلامي ضرورةً لا نفلاً؛ إذ لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة، وإنما في معرفة الصحيح منها، وفهم سياقها، وإدراك ما وراءها.وبعد الحرب، تتضاعف مسؤولية الوعي. فإعادة بناء الأوطان لا تبدأ من الحجر وحده، وإنما من الإنسان؛ من قدرته على تجاوز آثار الحرب، واستعادة الثقة، وقبول الاختلاف، وإعلاء قيمة الحوار، وحماية المجتمع من الشائعة وخطاب الكراهية والانفعال. وهنا تتقدم وظيفة الإعلام من نقل الخبر إلى صناعة الأثر؛ فالإعلام الحقيقي لا يملأ الناس بالمعلومات وحدها ، وإنما يرفع قدرتهم على الفهم والتمييز ويمنحهم بوصلةً وسط ضجيج الواقع.
والسلام نفسه يبدأ من الوعي؛ لأن السلام ليس غياب الرصاص فقط، ولكنه حضور العقل، واستقرار السلوك، واحترام الآخر، وإدراك أن الحقوق لا تنفصل عن الواجبات. فإذا ارتقى الوعي من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى مؤسسات الدولة، أصبح الأمن ثقافةً قبل أن يكون إجراءً، وأصبح الاستقرار ممارسةً قبل أن يكون شعاراً من هنا، فإن أكتوبر الوردي لا ينبغي أن يبقى مناسبةً موسمية للتوعية بمرضٍ بعينه، وإنما نافذةً نطل منها على حقيقة أكبر: أن الوقاية تبدأ بالوعي، وأن المخاطر تتسع حين يغيب، وأن المجتمعات لا يحميها القانون وحده، وإنما يحميها إنسانٌ يعرف، ويفهم، ويفكر، ثم يحسن الاختيار فالوعي أن ترى قبل أن يقع الخطر، وأن تفهم قبل أن تحكم، وأن تتحرك قبل أن يفوت الأوان. وعندما يصبح الوعي ثقافةً عامة، يصبح المجتمع أكثر أمناً، والدولة أكثر حصانة، والمستقبل أكثر سلاماً.



