اعمدة ومقالات الرأى

د.اسماعيل الحكيم ..يكتب..الملاذ الأخير: هل تكسر “إجراءات الطوارئ” طوق العصابات الاقتصادية أم تبقى حبراً على ورق؟

الخرطوم: الرسالة نيوز

د.اسماعيل الحكيم ..يكتب..الملاذ الأخير: هل تكسر “إجراءات الطوارئ” طوق العصابات الاقتصادية أم تبقى حبراً على ورق؟

زلزالٌ اقتصادِيٌّ آخَرُ يضربُ صَميمَ الرُّكودِ، وواحدةٌ مِنْ أعتى شِداداتِ الحِصارِ الماليِّ تَتكسَّرُ –ظاهريّاً– على صَخرةِ القراراتِ الأخيرةِ التي أعلنَها رئيسُ مجلسِ الوزراءِ، بإنشاءِ لجنةِ طوارئَ اقتصاديةٍ استُسِلَّتْ خَناجِرُها في وَجهِ الفسادِ عبرَ عشرِ توصياتٍ حاسمةٍ. جاءت هذه القراراتُ لتضعَ اليدَ على الجُرحِ الغائرِ ، نَزيفُ الذَّهَبِ المهرَّبِ، فوضى الاستيرادِ العَشوائيِّ، وانسحاقُ الجنيهِ السودانيِّ تحتَ وطأةِ السوقِ الموازيةِ وارتفاعِ التضخمِ الذي أحالَ حياةَ المواطنِ إلى جحيمٍ مُقيمٍ وغلاءٍ جنونيٍّ لا يرحم.لقد ظلّتْ الأزمةُ الاقتصاديةُ في السودانِ قضيّةً متجذِّرةً، لا بسببِ شُحِّ المواردِ، ولكن بسببِ اقتصادِ الظلّ ومافياتِ التهريبِ التي امتصّتْ دماءَ النقدِ الأجنبيِّ وشلّتْ حركةَ الجهازِ المصرفيِّ. ومن هنا، فإنّ تشكيلَ لجنةِ الطوارئِ وتوصياتِها العشرَ المتركزةَ حولَ ضبطِ صادراتِ الذهبِ، وحظرِ السلعِ الاستفزازيةِ، وسدِّ منافذِ التهريبِ، وتوفيرِ كُتلةِ النقدِ الأجنبيِّ، يُعدُّ خطوةً في الاتجاهِ الصحيحِ؛ غيرَ أنّ السؤالَ المفصليَّ الذي يطرحُ نفسَهُ بحِدَّةٍ: هل يُمكنُ لقراراتٍ مطبوعةٍ على الورقِ أنْ تُبرِئَ جسداً اقتصادياً أنكهَهُ النَّزيفُ سنواتٍ طوالاً؟إنّ الإجابةَ الحاضرةَ بلا مواربةٍ هي أن هذه التوصيات لن تُسمن ولن تُغني من جوع ما لم تَتحوّلْ إلى فِعلٍ قاسي المَلمَسِ في قلبِ الأسواقِ والمنافذِ الاقتصادية. لِتُؤتيَ هذه الخطوةُ أُكُلَها وتنتقلَ من خانةِ الوعودِ الشفهيةِ إلى الواقعِ التنفيذيِّ، يجبُ ألا تبقى هذه القراراتُ حبيسةَ المكاتبِ المكيَّفةِ، بل لا بدَّ من إنزالِ أدواتِ الرقابةِ والتفتيشِ فوراً إلى الأسواق والموانئِ، والمعابرِ الحدوديّةِ، ومحلاتِ الصرافةِ، لفرضِ هيمنةِ الدولةِ الكاملةِ على حركةِ السلعِ والعملاتِ.

إن حماية القوت القومي تتطلّب بالضرورة إلغاء مساحات التسويف والطعن البطيء، وذلك عبر إنشاء مَحاكمَ طوارئَ اقتصاديةٍ خافقةٍ تُصدِرُ عقوباتٍ فوريّةً ومُجلجِلةً تصلُ إلى المصادرةِ الشاملةِ والسجنِ المغلَّظِ لكلِّ مَنْ يثبتُ تورُّطُهُ في تهريبِ الذهبِ أو المضاربةِ بالدولارِ. بالتوازي مع ذلك، يتوجب تحويلُ الذهبِ إلى شريانِ حياةٍ بنكيّ عبر فرضِ شرائه بواسطة بنكِ السودانِ المركزيِّ بأسعارٍ مجزيةٍ تُقارِبُ السعرَ العالميَّ، لإغلاقِ البابِ تماماً أمامَ السّمَاسرةِ وعصاباتِ التهريبِ، وجعلِ المَعدَنِ النفيسِ المصدرَ الأوّلَ لدعمِ الاحتياطيِّ النقديِّ.
ولن يكتمل هذا الحصار الإيجابي إلا بإغلاقِ حنفيّةِ استيرادِ السلعِ الكماليةِ والترفيهيةِ فوراً، وتوجيهِ النقدِ الأجنبيِّ المتاحِ حصراً لاستيرادِ المدخلاتِ الزراعيةِ والصناعيةِ والدواءِ والسلعِ الأساسيةِ، مع اعتماد أقصى درجات الشفافية وتمليك الحقائق للرأي العام عبر نشر أسماء المفسدين والمهرّبين ليكونوا عبرةً لغيرِهِم، فالتستُّرُ على الجريمةِ الاقتصاديةِ خيانةٌ وطنيةٌ صريحة.
إنّ المعركةَ اليومَ ليست معركةَ أرقامٍ وحسب، إنما هي معركةُ بقاءٍ وسيادةٍ؛ فالشعبُ السودانيُّ لم يعدْ يملكُ سعة الانتظارِ، ولا القدرةَ على تحمُّلِ المزيدِ من الصدماتِ. إمّا أنْ تكونَ هذه التوصياتُ حَدّاً فاصلاً يكسرُ شوكةَ الفسادِ ويُعيدُ للجنيهِ هيبتَهُ، أو ستتحولُ إلى جولةٍ أخرى كَسيرةٍ في سجِلّ الأزماتِ. الخيارُ الآنَ في يدِ السلطةِ التنفيذيةِ: إمّا الضربُ بيدٍ من حديدٍ، أو الغرقُ في طوفانِ الغلاءِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى