
د.إسماعيل الحكيم ..يكتب ..إلى الفريق العطا : سَيفُك الناجي أولى به غِمدُ الخنادق
إنّ في مآلاتِ الدولِ ومنعطفاتِ التاريخ، تبرُزُ مواقفُ الرجالِ كعلاماتٍ فارقة تُضيءُ عتمةَ الوغى، وتُعيدُ رتقَ النسيجِ الوطني بروحِ التسامحِ التي لا تملكُها إلا الأنفسُ الكبيرة. لقد تابعت وغيري بتقديرٍ بالغ فيضَ كرمكم وسموَّ عفوكم الذي شملتم به الأستاذة داليا إلياس، في لفتةٍ إنسانيةٍ تنمُّ عن قائدٍ يقدّرُ “الكلمةَ” حين تُسخَّرُ لنصرةِ الحق، ويتجاوزُ عن “الهفوة” حين تذوبُ في بحرِ الولاء للقوات المسلحة.
إنَّ هذا البابَ الفسيح الذي شرعتموه عفواً وتسامحاً ، يا سعادة الفريق، هو ذاته الذي نقرعه اليوم بكلماتٍ لا تحملُ رياءً ولا سمعةً ، إنما استحقاقاً ووفاءً ، لنلتمسَ من حكمتكم أن يمتدَّ هذا الظلُّ الوريف ليشمل ابناً باراً من أبناءِ هذا التراب، وفارساً لم يغمد سيفه يوماً في وجهِ البغاة، وهو الدكتور المجاهد الناجي عبد الله .
إنَّ الحديث عن “الناجي” ليس حديثاً عن عابرِ سبيلٍ في مسيرةِ الوطن، لكنه حديثٌ عن شابٍ جعل من جسدهِ متراساً للجيش يوم نادى المنادي، وأنفقَ “أنضرَ سنواتِ العمر” وزهرةَ الشبابِ في الأحراشِ والخنادق برضاء تام وإقبال صادق ، هو أحدُ أبطالِ “الميل 40” – أولئك الذين نعدُّهم بحقٍّ **(أهلَ بدرِ السودان)** – وأنتم، يا سعادة الفريق، كنتم يومها الأقرب إليهم منا ، تشتمُّون معهم ريحَ البارود، وتتقاسمون شظفَ العيشِ وشرفَ الاستشهاد.
وإنْ بدت من “الناجي” هفوةٌ في لحظةِ انفعالٍ حميم، أو عبارةٌ خانها التعبيرُ وهو يسعى لخدمةِ الدولة من خارجِ أجهزتها الرسمية، فإننا نرجو أن تُوزنَ عندكم مقالته بميزانِ الحكمةِ الذي عُرفتم به. فإنَّ سيئةً واحدةً في بحرِ آلافِ المحاسنِ والمواقفِ البطوليةِ هي ممّا يُغتفر ، فالكريمُ إذا قدَرَ عفا، والقويُّ لا يضيرُه صِدقُ الناصحين وإنْ شابهُ حدةٌ في القول.
وما أظنُّ في جيلِ الأمسِ واليوم من أفنى عمرَه ناصراً للجيش بقلبهِ ودمهِ كما فعل الناجي، فالوفاءُ له هو وفاءٌ لكلِّ من حملَ روحه على كفهِ نصرةً لمؤسستهِ العسكرية.”
إنَّ السودان اليوم، وهو يخوضُ معركةَ الوجودِ ضدَّ المليشيا الغادرة، أحوجُ ما يكون إلى “الناجي” وإخوانه من المجاهدين الصادقين؛ ليتقدموا الصفوفَ كما عهدناهم، ويذودوا عن حياضِ الوطنِ تحت إمرةِ القواتِ المسلحة.
إننا لا نشفعُ للناجي عندكم إلا بفضلِ سابقتِه، وعظيمِ جهاده، وبأنَّ ميزانَكم يفرّقُ جيداً بين (المتربصِ) الذي ينفثُ السموم، وبين (المحبِّ) الذي قد تغلبه عاطفته الوطنية فيخطئُ الوسيلةَ ولا يخطئُ الهدف.
أطلقوا سهمَ الناجي في نحورِ الأعداء، فما كان لمثلهِ أن يُحبسَ عن فضلِ الجهاد، وما كان لمثلكم أن يردَّ يدَ الوفاء مغلولة.




