
مقالات – الرسالة نيوز
ترتبط المملكة العربية السعودية وجمهورية السودان بروابطَ تاريخيةٍ قديمة بحكم الجوار الجغرافي على البحر الأحمر، علاوة على العلاقات السياسية الأخوية منذ فجر استقلال السودان، وكذلك الروابط الدينية والعربية الواحدة، والمصالح، والاشتراك في منظومة الأمن العربي الجماعي، ومنظومة أمن البحر الأحمر، والأمن الأفريقي، ومن ثم كان ولا يزال استقرار السودان من أهم الأولويات للمملكة بشكل عام، وقد وقفت المملكة مع السودان منذ أن بدأ يمر بأزمته الحالية ذات الأبعاد السياسية والعسكرية الخانقة، والتي أدَّت إلى اشتعال حرب أهلية واسعة النطاق امتدت إلى كافة أقاليم وولايات السودان تقريباً، ما جعل 34 مليون سوداني بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وفق تقديرات الأمم المتحدة، حيث جعلتِ الحربُ السودانَ يمرُّ بواحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، بما يشهده من قتل، وتشريد، ونزوح، ولجوء، وهجرة إلى الخارج، وتدخّل أطراف خارجية كثيرة، وحظيت هذه الحرب بما يطلقون عليه الحرب المنسية التي تزامنت مع حزام صراعات كبرى في العالم، ومنها الحرب الروسية – الأوكرانية، ثم الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكذلك الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ومجمل الأراضي الفلسطينية.
وأهمية الدور السعودي في السودان تنبع من صدق المبادرات السعودية تجاه أزمات السودان، وهذا ما يتجلَّى خلال الأزمة السودانية الحالية، إذ استضافت مدينة جدة مفاوضات سابقة بين فرقاء الصراع الحالي، بل تتبلور أهمية الدور السعودي في مجموعة عوامل تجعل المملكة قادرة على الإسهام في وصل حلقات عملية السلام المنفصلة؛ فالسودان اليوم في حاجة ماسة إلى إعادة بناء الثقة، وتأسيس علاقة جديدة بين الدولة، والجيش، والساسة، والمجتمع، والأقاليم، وذلك بالتوازي مع حاجته إلى مبادرة لوقف لإطلاق النار بين قائد القوات المسلحة عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» حميدتي.
ومعلوم أنَّ المملكة العربية السعودية لم تكن في يوم من الأيام طرفاً في أي صراع سوداني، ولا تتبنَّى أو تدعم مشروعاً حزبياً داخل السودان على حساب آخر، بل إنَّها سخرت علاقاتها الإقليمية والدولية الواسعة بما يمكن أن يساعد على حل الأزمة السودانية من خلال تسهيل التنسيق بين المبادرات المختلفة، بل وطرح الكثير من هذه المبادرات، وهو ما يجعلها قادرة على جمع مختلف الأطراف المتباعدة، وجلوسهم على طاولة نقاش في حوار بنّاء من أجل إعادة الثقة بين مختلف المكونات والأطراف المتقاتلة، والبدء في حوار سوداني – سوداني يناقش من خلاله الفرقاء مختلف القضايا التي تؤرق السودانيين، وتجعل هذا البلد العربي الأفريقي مترامي الأطراف ومتعدد الخيرات ساحة للصراع غير المنتهي، ومن هذه القضايا: شكل الدولة، وتركيبتها السياسية المناسبة للجميع، وكيفية الانتقال السياسي، وإصلاح المؤسسات، ومستقبل القوات المسلحة، وعلاقتها مع مكوناتها، ومع دول الجوار المتعددة، وتأمين حدودها مع جوارها.
من هنا يبرز الدور السعودي في الوقت الراهن الذي لا يستهدف الوساطة لإنهاء القتال فحسب، بل يهدف لتأسيس دبلوماسية جامعة تصنع التوافق السوداني عبر إعادة هندسة المسارات الموجودة، وربطها بمنبر وإعلان جدة 2023، الأمر الذي يتَّسق مع الاتجاه الذي ظهر في 23 سبتمبر (أيلول) 2026، عندما اجتمعت وللمرة الأولى بنيويورك اللجنة الرباعية المكونة من: الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، مع اللجنة الخماسية المكونة من: الاتحاد الأفريقي، وإيقاد (IGAD)، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، وتم الاتفاق على تفعيل التنسيق، وإعداد خريطة طريق مشتركة، والربط بين المسار الإنساني، ووقف الأعمال العدائية، والحوار السياسي، وحماية المدنيين، وإعداد آليات للمراقبة، والتحقق من أي اتفاق، ودعم حوار سياسي سوداني شامل، ورفض تفتيت السودان، أو إنشاء ترتيبات تؤدي إلى تقسيمه.
هكذا يمثل الدور السعودي في السودان -بحكم ما سبق- أحد أهم المسارات لإيجاد أرضية توافق بين القوى السياسية والمكونات الاجتماعية، لا سيما إذا انتقل هذا الدور من إدارة الأزمة إلى بناء توافق سوداني مستدام، ومن خلال أسبقيتها بالشراكة مع الولايات المتحدة في استضافة الحوار بين القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع» في 6 مايو (أيار) 2023 بجدة، بهدف التوصل إلى وقف إطلاق النار، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وأيضاً من خلال ثقل المملكة وعلاقاتها المهمة مع مختلف الأطراف ذات العلاقة بالأزمة السودانية، فإنه يمكن أن تؤسس المملكة العربية السعودية منصة مناسبة وموثوقة من كل الفرقاء السياسيين والعسكريين السودانيين.
مع الإشارة إلى أن توقيع الطرفين في 11 مايو 2023 «إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين في السودان» أثمر عن مخرجات مهمة، منها: التزام الطرفين بحماية المدنيين، واحترام القانون الدولي الإنساني، والسماح بخروج المدنيين من مناطق القتال بصورة آمنة، وحماية المستشفيات، والمنشآت العامة، وعدم استخدام المنشآت المدنية لأغراض عسكرية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وحماية العاملين في المجال الإنساني، إلى غير ذلك من البنود التي للأسف لم يلتزم بها الفرقاء بشكل تام، ما أدى إلى استمرار الاقتتال بينهم، وهو ما فاقم أزمة السودان كثيراً، وأدى إلى كوارث إنسانية ذات عواقب وخيمة.
ومع ذلك يظل إعلان منبر جدة منصة رئيسة يمكن البناء عليها لإعادة مسار الحوار السياسي بين الفرقاء السودانيين، بغية الوصول إلى أي اتفاق قادم، وخاصة أنَّ الإعلان أكَّد حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، والالتزام ببنود القانون الدولي الإنساني، وقبل ذلك وبعده وقف الاقتتال، ما يجعله أساساً للتقدم نحو بناء منصة متكاملة للسلام السوداني، وليس الاكتفاء بوقف إطلاق النار.
وعليه، وانطلاقاً من ذلك نرى أنه يمكن للفرقاء العسكريين والسياسيين والمكونات الاجتماعية والمناطقية والقبلية وقيادة الدولة السودانية -ومختلف القوى المدنية المرتبطة بالانتقال الديمقراطي- الاجتماع حول دائرة مستديرة بمدينة جدة مجدداً، لمناقشة سياقات المرحلة الانتقالية، والشكل الدستوري للدولة، وقضايا الأقاليم، وما يعتري بعضها من تهميش… إلى غير ذلك من إشكالات السودان الرئيسة. على أن يكون بحضور عدد من الدول الإقليمية الضامنة، كجمهورية مصر العربية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة إيقاد، وجامعة الدول العربية، علاوة على الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي. وجميعها يمكن أن تسهم في وقف تدفق السلاح، وتمويل المساعدات، وإعادة الإعمار، والمهم في ذلك إبعاد السودان عن مرمى التدخلات الخارجية ذات المطامع، وأهداف اتساع الحرب، واستمرارها، وترتكز دبلوماسية بناء التوافق السوداني على إعادة بناء الثقة التي تسمح بإنشاء مجموعة تنسيق لجهود السلام السوداني، وإنشاء مسار سوداني – سوداني يتشكل من ممثلين للقوات العسكرية، والأحزاب، والقوى المدنية، وقوى المجتمع المدني، بهدف وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، والاتفاق على شكل المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى إقرار الانتخابات وفق ترتيبات دستورية متوافق عليها، ثم يعقب ذلك وضع تصور شامل لمستقبل السودان، على أن يضعه أبناء السودان أنفسهم بعيداً عن تأثير الاستقطاب، والتبعية.
أخيراً، من المهم أن يدرك الفرقاء السودانيون أنَّ المملكة العربية السعودية راعية لعملية السلام في السودان، وليس لها أجندات خفية، أو معلنة، وكل ما يهمها هو استقرار هذا البلد المهم، وسلامة ووحدة أراضيه، وإبعاده عن التبعية، والاستقطاب، وعليهم أن يدركوا أيضاً أن المخاطر التي يمكن أن تُعيق أي حوار سياسي بنّاء يُسهم في إعادة السلم الأهلي للمجتمع السوداني كبيرة، ويحيط بهم متربصون من أصحاب المصالح، ولذلك عليهم إدراك خطورة المرحلة الحالية، وما وصل إليه الصراع من تفتيت المجتمع السوداني، وما لحق به من انقسامات، وأضرار من شتى النواحي، وعليهم أن يدركوا خطورة استمرار التدخلات الخارجية، وتدفق السلاح، وتمويل ودعم أحد الفرقاء، علاوة على مخاطر الانقسام المجتمعي جراء حجم الأذى الذي عاشه الشعب السوداني، إلى غير ذلك من المخاطر، وهو ما يجب التنبه له، ومواجهته بفطنة، وإصرار، ومسؤولية، للخروج بالسودان إنساناً ومؤسسات من مأزق التيه إلى بر الأمان.
وفي حال استيعاب أبناء السودان المخاطر المحدقة، وقرروا الالتفاف حول وطن واحد ومستقبل واحد، فإنهم سيجدون المملكة الدولة المحبة للسلام خلفهم ومعهم من أجل تحقيق هدف واحد هو السودان الواحد الذي يملكه ويحكمه كل أبناء السودان.




