اعمدة ومقالات الرأى

أسامة العوض..يكتب..عندما تتحول المعلومة إلى سلاح في حرب السودان

الخرطوم: الرسالة نيوز

أسامة العوض..يكتب..عندما تتحول المعلومة إلى سلاح في حرب السودان !

لطالما تغنى وهتف رموز الإعلام ونخبه وصفوته واساتذته في كليات الإعلام بمبدأ “التدفق الإعلامي الدولي الحر” باعتباره رمزاً لحرية التعبير وحق الإنسان في المعرفة. لكن حرب السودان المستمرة كشفت الوجه الآخر لهذا المبدأ، وحولته من حق إنساني إلى سلاح استراتيجي فتاك إن النظرية تقول إن المعلومات يجب أن تعبر الحدود بلا قيود. أما الواقع فيقول إن هذا التدفق ليس حراً ولا متوازناً، بل هو تدفق في اتجاه واحد: من الشمال القوي إلى الجنوب الضعيف، ومن المنصة التي تملك الخوارزمية إلى المواطن الذي لا يملك إلا التلقي.تفترض نظرية الهيمنة والسيطرة الثقافية والإعلامية ، أن السيطرة لا تمارس بالقوة المباشرة فقط ، وانما عبر فرض منظومة قيم ومعايير ثقافية وفكرية من خلال وسائل الإعلام الدولية ، ويؤدي هذا الشكل من الهيمنة إلى تطبيع رؤية ثقافية واحدة في هذا العالم ، غالباً ما تكون غربية الفكرة ، وتهميش رؤى وثقافات الآخرين من دول العالم الثالث النامي ، ويفسر ذلك من خلال نظرية الهيمنة ، أن الاخبار والمعلومات هي أداة إنتاج ونفوذ وسلاح عبر الأخبار والصور الإعلامية المنتشرة دولياً ، وهو أيضا ما يعرف بإنتاج التبعية الفكرية والثقافية لهذه الدول النامية الفقيرة ، الأسيرة .

حرب السودان.. المختبر الأكبر للتضليل

لم تكن حرب 15 أبريل حرباً بالبندقية فقط، بل كانت أول حرب سودانية تدار بالكامل في فضاء التدفق الحر.لقد شهدنا كيف تحولت منصات التواصل وغرف الأخبار العالمية إلى ساحة معركة موازية، تدار من خارج الحدود أولاً: صناعة الانهيار. منذ الأيام الأولى، ضخّت شبكات إعلامية ممولة رواية واحدة: “الدولة سقطت، والجيش انتهى”. كان الهدف ليس نقل الحقيقة، بل صناعة اليأس وهزيمة المواطن نفسياً قبل هزيمة الجيش ميدانياً ثانياً: استثمار الدم. تم استثمار معاناة السودانيين ببراعة قاسية. كل أزمة إنسانية، من الغلاء إلى تفشي الكوليرا، يتم تضخيمها وتوظيفها كأداة ضغط سياسي لشيطنة طرف وتبرئة آخر، تحت غطاء “القلق الإنساني”. بينما المساعدات الإنسانية نفسها تتحول إلى مادة للابتزاز الدبلوماسي.ثالثاً: أكاذيب بلا جغرافيا. وهنا مكمن الخطر الأكبر للتدفق الحر. رأينا كيف انتشرت روايات بلا أي دليل مادي: استخدام السلاح الكيماوي في الخرطوم، وبيع الدولة لدول كبرى، ومقتل الآلاف اختناقاً. روايات انتشرت كالنار في الهشيم عبر حسابات مجهولة ومنصات عالمية، ولم تستطع الدولة الضعيفة تقنياً أن تنفيها بنفس السرعة التي انتشرت بها. فالكذبة تلف العالم في ثانية، والحقيقة تحتاج إلى تأشيرة دخول.

ما وراء الخبر

ما يحدث ليس فوضى إعلامية، بل هو جزء من نظرية قديمة تُسمى “الهيمنة الإعلامية”. فالعالم يملك أكثر من 200 دولة، لكنه لا يملك سوى أربع وكالات أنباء كبرى تتحكم في 80% من الأخبار. والنتيجة أن السودان لا يروي قصته بنفسه، بل تُروى قصته نيابة عنه، وغالباً بما يخدم مصالح من يمول الرواية.إن التدفق الحر في صورته الحالية منح القوى الإقليمية – التي تمتلك المال والمنصات – القدرة على اختراق سيادتنا الوطنية دون الحاجة لإرسال جندي واحد. يكفي تمويل هاشتاق، وتضخيم شائعة، وشراء مساحة في صحيفة غربية.

الخلاصة

نحن لسنا ضد حرية تدفق المعلومات، ولكننا ضد حرية تدفق الأكاذيب.حرب السودان أثبتت أن ترك الفضاء الإعلامي بلا ضوابط وطنية وبلا إعلام وطني قوي قادر على إنتاج روايته الخاصة، هو بمثابة ترك الحدود البرية بلا جيش.المعركة القادمة بعد هذه الحرب لن تكون معركة إعمار المباني فقط، بل معركة إعمار الوعي، وبناء وكالة أنباء ومنصة وطنية قادرة على أن تقول للعالم: هذه هي الحقيقة من الخرطوم، وليس من عواصم أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى