
أسامة العوض..يكتب..الحروب تظهر معادن الخُلص من الأوفياء ( المغترب السوداني نموذجاً ) !
اليوم استدعي ذاكرتي، لا لأكتب تقريراً، أو مقالاً صحفياً ناقداً ، بل لأقف وقفة إجلال وتشريف وتقدير، لأهلي وإخواني في الغربة، في الشتات، في بلاد الاغتراب هذه رسالة تقدير لكل مغترب سوداني دعم من ماله وحلاله أبناء وطنه على مدى عمر هذه الحرب اللعينة .تحية إجلال لأهلنا في الغربة.. أنتم الدولة حين غابت الدولة ،لكم التحية وأنتم تستحقون أكثر من التحية.في هذه الحرب اللعينة التي أكلت الأخضر واليابس، وفرّقت بين الأخ وأخيه، وحوّلت بيوتنا إلى ركام، وحوّلت شوارعنا إلى متاريس، كنتم أنتم الثابت الوحيد الذي لم يتزحزح ، سؤالاً ومالاً واتصالاً عندما صمتت البنادق قليلاً لتسمع أنين الجوعى، لم نسمع صوت العالم الذي يتشدق بالإنسانية، ولم نرَ قوافل المنظمات التي تملأ الشاشات بالشعارات، بل سمعنا رنة تطبيق بنكك… حوالة من أخ مغترب في الرياض، وآخر في الدوحة، وثالث يغسل الصحون في لندن، ورابع يقود تاكسي في أمريكا لقد كان دعمكم يا أهل الغربة بلا حدود.
أولاً: كنتم أنتم صمام الأمان للأسرة سألتم عن أسركم، عن إخوانكم، عن جيرانكم في الحي. لم تنسوا أحداً، كنتم ترسلون المال ليس فائضاً عن حاجتكم، بل كنتم تقتطعونه من قوت أبنائكم وأسركم ، ولقمة عيشكم في الغربة، لتعلموا أن هنا أمّاً لا تملك ثمن الدواء، وأباً لا يملك ثمن الخبز، فكان سهمكم المالي حاضراً لم يتوقف يوماً واحداً منذ اندلاع الحرب.
ثانياً: أحييتم قيمة التكايا.. وهي أعظم قيمة وهنا قمة المجد الذي سطرتموه، لم يقف عطاؤكم عند حدود الأسرة، بل امتد سخاؤكم ليحيي قيمة اجتماعية كادت أن تندثر، قيمة التكافل والترابط المجتمعي في لقمة التكايا.أي قيمة أعظم من أن توفر لقمة عيش لمئات المغلوب على أمرهم من المواطنين المدنيين المساكين الذين ضاقت بهم سبل العيش الكريم؟التكية اليوم في أم درمان وبحري والجزيرة ليست مجرد قدر فول، أو حلة عدس، إنها دولة مصغرة، إنها وزارة رعاية اجتماعية كاملة، يمولها مغترب واحد بعرق جبينه. هذه القيمة لا تضاهيها أي قيمة، ولن يكتبها لكم التاريخ بمداد من ذهب، بل سيكتبها الله في ميزان حسناتكم ، قبل ذهب الدنيا .
ثالثاً: كشفتم زيف العالم والحكومة:عندما غابت المساعدات الإنسانية التي يتحدث عنها العالم الخارجي ليل نهار، تلك المساعدات التي يتاجر بها الساسة في المنابر ويتشدقون بها من باب الباطل، وعندما كان دور الحكومة سلبياً بامتياز، حتى فيما جادت به جيوب الداعمين، فشلت حتى في توزيعه بعدالة.عندما غاب الجميع، كان المغترب السوداني هو الأصدق فعلاً وعملاً وتصدقاً.
العالم أرسل لنا بيانات إدانة، وأنتم أرسلتم لنا جوالات دقيق.العالم أرسل لنا مؤتمرات في جنيف، وأنتم أرسلتم لنا حقائب دواء الحكومة تحدثت عن التكايا، وأنتم من موّل التكايا أيها المغترب السوداني في كل بقاع الأرض، أنت لم تسد رمق الجوعى والعطشى فقط، أنت سددت عجز الدولة، وسترت عورة الحكومة، وأسكتّ ضجيج المنظمات الكاذبة لولاكم بعد الله، لمات الناس جوعاً في بيوتهم صمتاًفلكم منا التحية، ولكم منا الدعاء، ولكم منا العهد أننا لن ننسى.ما قدمه المغترب السوداني لم تقدمه الحكومة ، المغترب السوداني عبر البحار وفيافي الأرض بماله لمن هم في اللجوء في شتى بقاع الأرض ، ولمن هم بالداخل أيضاً مواساة بحالهم وسندا لرفع همتهم وهامتهم التي اهانتها هذه الحرب أنتم فخرنا، وأنتم سندنا، وأنتم السودان الحقيقي الذي لا يموت .أصالة الإنسان السوداني تظهر معدنه عند الملمات والكرب وضيق الحال وهؤلاء من هم في الغربة كانوا خير الأصالة .




