
أسامة العوض..يكتب..الحرب التي عرفناها.. والسلام الذي لم نعرفه إلا بالنزوح
هذه الحرب التي نعيشها اليوم ليست كالحروب التي قرأنا عنها في بطون الكتب وروايات التاريخ.
حروب التاريخ كانت لها جبهات وجنود وخرائط، أما حربنا هذه فلم تُرسم لها جبهة، لأن جبهتها كانت بيت المواطن. ولم يُحدد لها عدو، لأن عدوها كان المواطن المسكين المغلوب على أمره. هي حرب في إعدادها وتكوينها ومسارها، صُممت لتكون ضد الإنسان البسيط.
الآن بلغت عامها الثالث، ومازالت مشتعلة تحصد الأرواح والأنفس، والناس يتوقون إلى كلمة واحدة كانوا يظنونها عادية: السلام.
المفارقة الموجعة أننا لم نعرف قيمة السلام ومعناه إلا بعد أن فقدناه. لم نفهمه إلا بالنزوح والتشريد وضيق الحال وموت الأحباب والرفاق. كان السلام عندنا ماءً يجري لا نشعر بقيمته، حتى انقطع.
ما الحرب في مفهومها العام؟
الحرب في تعريف الكتب هي صراع مسلح منظم بين قوتين. لكن تعريفها في وجدان السوداني اليوم مختلف.
الحرب هي *هدم المعنى قبل هدم المبنى*. هي أن تستيقظ فلا تعرف هل بيتك ما زال بيتك، وجارك ما زال جارك، وشارعك ما زال شارعك.
والحرب في حقيقتها، كما أراها، تمهيد رباني قاسٍ للسلام. هي موعظة إلهية وإدراك قهري. كأن الله عز وجل أراد أن يقول لنا: ذوقوا نقيض النعمة لتعرفوا قدرها.
الحروب هي عملية كنسٍ كبرى لما قبل السلام. غربلةٌ لمفاسد النفوس وشرور الطباع وتكبرها. تسقط فيها الأقنعة، فتعرف من كان يتاجر بالوطن ومن كان يخدمه، من كان يصرخ “البلد” وهو يسرقها، ومن كان صامتاً وهو يحرسها في أم درمان وبورتسودان ومدني بلا ضجيج.
لذلك الحرب ليست شراً مطلقاً، بل هي كالجراحة المؤلمة التي تكشف الورم. قليلون هم من يعرفون أهمية السلام وروحه، لأن كثيرين لم يجربوا نقيضه وهو القتل والفتك والفوضى.
وما السلام؟ وما دلالاته وركائزه في دولة كالسودان؟
السلام ليس هو توقف إطلاق النار. توقف إطلاق النار هو هدنة، أما السلام فهو فكرة.
السلام في السودان ليس اتفاقاً يوقعه قائدان في فندق خارجي، بل هو شعور المواطن في سوق ليبيا وفي سوق ستة في الحاج يوسف أنه آمن على نفسه وماله وولده.
ولهذا السلام في السودان له ثلاث ركائز لا يقوم إلا بها:
*1. السلام النفسي: أن نتصالح مع بعضنا قبل أن نتصالح مع البندقية.*
الحرب زرعت فينا حقداً جهوياً وقبلياً وطبقياً لم يكن بهذا العمق من قبل. السلام يحتاج أن نعترف أننا جميعاً ضحايا، وأننا جميعاً مسؤولون. لا سلام بذاكرة انتقامية.
*2. السلام الاقتصادي: الجوع يصنع حرباً جديدة.*
لا يمكن أن تحدث شاباً عن السلام وبطنه خاوية وبيته مهدوم ولا عمل له. السلام في السودان يعني أن يعود النازح فيجد مشروعاً يموله، وأرضاً تحرث، وسوقاً يعمل. ما لم يتحول السلام من وثيقة إلى رغيف خبز وفرصة عمل، فهو حبر على ورق.
*3. السلام المؤسسي: دولة لا يملكها رجل.*
وهنا مربط الفرس الذي تحدثنا عنه في كتب الحوكمة المؤسسية، الحرب اندلعت لأن الدولة كانت شخصية، فإذا اختلف شخصان في القمة، انهارت الدولة كلها، السلام المستدام يعني دولة مؤسسية لا تموت بموت المدير ولا تحيا بحياة الوزير، دولة فيها قانون يمشي على الجميع، ومال عام يُنشر في لوحة الإعلانات.
هي خارطة الطريق.. حتى لا نعود للاقتتال
حتى لا تعود البلاد إلى ذات الحفرة، نحتاج إلى مسارين متوازيين لا ينفصلان:
*أولاً: خارطة طريق سياسية – واقعية لا رومانسية*
▪️ *وقف الفهم الخاطئ:* السلام لا يعني أن نعود لما قبل 15 أبريل 2023، ما قبل الحرب هو الذي أنتج الحرب، تلك الفوضى التي فرض نهجها على المواطنين، لا بد من تأسيس جديد، ووجوه أخرى بفكرة مستحدثة مدركة لدورها ، تخاف الله في شعبها .
▪️ *عدالة انتقالية شجاعة:* لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا مصارحة. نحتاج قانوناً للعدالة الانتقالية يقول: من أجرم في حق المواطن يحاسب، ومن سرق المال العام يعيد، ومن هدم بيتاً يعمر. بلا تشفٍ ولا انتقام.
▪️*عقد اجتماعي جديد:* دستور مصغر يكتبه السودانيون في الأحياء والمحليات، لا في القاعات المغلقة، يجيب على سؤال واحد: كيف نعيش معاً رغم اختلافنا؟
*ثانياً: تربية سلوكية إنسانية – وهذا هو الأهم*
القوانين لا تصنع السلام، السلوك هو الذي يصنعه. نحتاج تربية جديدة في المدرسة أن نعلم الطفل أن قيمة الإنسان ليست بقبيلته ولا حزبه، بل بعمله. مادة اسمها “قيمة السلام” تدرس كالرياضيات.في المسجد والكنيسة:أن يتحول الخطاب الديني من خطاب تعبئة للحرب إلى خطاب تعبئة للعمران. الحرب موعظة، والسلام عبادة في الشارع والمؤسسة أن نطبق الحوكمة الإدارية والمالية التي نتحدث عنها دوما وتكرارها في ملتقيات المؤسسات . عندما يقف المواطن في صف محترم، ويأخذ خدمته برقم تتبع، ويجد اسم المسؤول ورقم شكواه على الباب، فهذا هو خيط سلام يومي، السلام يبدأ من شباك الخدمة، لا من طاولة المفاوضات السياسية ، يبدأ من مدرسة تعليمية ومشفى علاجي، وخزان مياه نقي صالح للشرب الآدمي ،وبسط آمن مجتمعي شامل يحفظ حقوق المواطن .
أخيرا وليس اخرا الحرب التي عشناها كانت كنساً قاسياً، وتمهيداً ربانياً لنعرف قيمة بعضنا.لقد دفعنا ثمن هذا الدرس من دمائنا وبيوتنا وأحبابنا.فإما أن نكون قد فهمنا الدرس، فنبني سلاماً لا يشبه ما قبله، سلاماً يحميه المواطن لأنه يرى نفسه فيه،وإما أن نعيد ذات الأخطاء، وننتظر حرباً أخرى لتكنسنا من جديد.والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .




