عام

أسامة العوض..يكتب..الخرطوم عادت تضج بالحياة.. السودان ينهض من تحت الرماد.

الخرطوم: الرسالة نيوز

أسامة العوض..يكتب..الخرطوم عادت تضج بالحياة.. السودان ينهض من تحت الرماد.

 

 

 

تجولت بالأمس داخل طرقات الخرطوم وجغرافيتها ، وفي نفسي شيء من أسى الدمار الذي حل بها ، ولكن سرعان ما تفاءلت عند رؤيتي لحركة المارة والسيارات والدراجات ، وحركة النساء وهن مطمئنات آمنات ، كل ذلك تم وانا متنقلا ما بين الأحياء السكنية والجامعات هنا وهناك .

 

التفاؤل مصدره أن عادت هذه المدينة مكسورة الخاطر ،، وهي

الخرطوم تضج بالحياة بعد غياب وظلمة قسرية قاربت الأربع سنوات.

 

أربع سنوات من الصمت والخراب والهجرة والخوف، كانت فيها العاصمة كمدينة أشباح. واليوم، تفتح الخرطوم عينيها من جديد، ببطء نعم، لكن بثبات وعزيمة لا تنكسر.

 

عاد إنسانها يمارس حياته ودوره في تطوير معاشه وعمله. عاد صاحب الدكان يفتح دكانه، وعاد العامل إلى ورشته، وعاد الموظف إلى مكتبه، ولو كان المكتب بلا سقف، ولو كانت الورشة بلا أدوات كاملة. المهم أن الحياة عادت.

 

وعاد طالب العلم إلى المدرسة وقاعات الجامعات، رغم بؤس الحال والفقر. عاد يحمل حقيبته الممزقة ودفتره القديم، لأن العلم عنده أقوى من الحرب. عاد ليقول: لن نكون جيل الحرب، سنكون جيل البناء.

 

وعادت المساجد تلهج بالتكبير والدعاء والعبادة، بعد هجران طال مصاحفها وتلاوة القرآن فيها، عاد الأذان يصدح، وعادت حلقات الذكر، وعادت صلاة الفجر تمتلئ بمن ظنناهم ماتوا.

 

عادت الحياة وعاد الأطفال يزينون الشوارع لعباً ولهواً ومتعة للناظرين، ذاك المشهد وحده كافٍ ليُبكيك فرحاً، أطفال يلعبون حيث كانت بالأمس الدبابات، والكلاشات سيدة الموقف داخل الأحياء السكنية.

 

عاد كل شيء، لكنه بطيء، وحسب قدرة مؤسسات الدولة على النمو الاقتصادي والإضافة نحو كل محتاج، لا نطالب بمعجزة في يوم وليلة، نطالب بخطوات ثابتة وصادقة.

 

ولكننا نأمل بأكثر من عودة المباني.. نأمل بعودة الألفة والعاطفة الإنسانية وقيمها .

 

نحن لا نريد أن تعود الخرطوم كما كانت فقط، نريدها أن تعود أفضل مما كانت.

 

نأمل في عودة الألفة وتماسك المجتمع، بعد أن مزقتنا الحرب والفتنة والخطاب العنصري.

 

نأمل في حياة جديدة بعد معاناة طويلة، لإعادة الدولة الإدارية والمالية التي تحتكم إلى القيم والعدالة، ورفعة السلوك، واحترام حقوق الناس والعباد.

 

دولة لا تُحكم بالولاء القبلي ولا بالمحسوبية، بل تحكمها الضوابط واللوائح، دولة مؤسسات، لا دولة أفراد.

 

نحتاج إلى شارع عام يحترمه الجميع وفق الحق المشترك. شارع نظيف، ومرور منظم، وسوق لا فوضى فيه، وقانون يسري على الوزير كما يسري على الغفير.

 

نحتاج إلى دولة تحترم الرأي والرأي الآخر.

 

دولة لا يُعتقل فيها الإنسان لأنه اختلف، ولا يُقتل لأنه قال لا.

 

السودان القادم.. بعد لعنة الجنجويد !!

 

هذه هي سمات الدولة السودانية القادمة، التي يجب أن نبنيها على أنقاض الدمار:

 

أولاً: عزل المليشيا إلى الأبد

لقد لعن الناس الجنجويد، واللعنة هنا ليست شتيمة عابرة، بل هي حكم شعبي وتاريخي.

 

هؤلاء الذين قتلوا واغتصبوا ونهبوا ودمروا بيوتنا، لا مكان لهم في المجتمع القادم، ولا في السياسة، ولا في الاقتصاد، ولا في أي مؤسسة، عزلهم ليس انتقاماً، بل هو تطهير للمجتمع من السرطان حتى لا يعود، لا مصالحة مع من سفك الدم، ولا شراكة مع من سرق الوطن.

المجتمع الذي يصالح القاتل، سيعيد إنتاج القتل.

 

ثانياً: قوات مسلحة واحدة تحمي الجميع

نريد بناء قوات مسلحة سودانية قومية، مهنية، لا حزبية ولا قبلية، عقيدتها حماية الأرض والعرض والمال والإنسان.

 

تحمي الإنسان السوداني بكافة مشاربه وألوانه وميوله. لا فرق بين شمالي وغربي، ولا بين عربي وإفريقي، ولا بين مسلم ومسيحي. من يحمل السلاح في السودان القادم هو الجيش السوداني وحده، لا مليشيا ولا كتيبة موازية.

 

جيش يحرس الحدود، ولا يحكم القصر. جيش يحمي الدستور، ولا يمزقه. جيش يقاتل العدو الخارجي، ولا يقاتل شعبه.

 

ثالثاً: دولة العدالة والقانون

دولة لا يعلو فيها أحد على القانون. القاضي فيها مستقل، والشرطي فيها خادم للمواطن لا سيد عليه، والموظف فيها يخدم الناس لا يبتزهم.

 

دولة إذا سرق فيها المسؤول حُوسب علناً، وإذا ظلم فيها الضعيف وجد من ينصفه.

 

رابعاً: دولة تحترم الإنسان

دولة تحترم المرأة التي صبرت وعانت، وتحترم الشاب الذي ضحى، وتحترم الطفل الذي حُرم من مدرسته، وتحترم المزارع والعامل والتاجر.

 

دولة لا تقاس بعدد جنودها، بل بعدد مدارسها ومستشفياتها وجامعاتها.

 

 

خامساً: أحزاب تتنافس.. ولا تتخاصم

 

ونحلم بأحزاب سودانية تمارس دورها وفق سلوك المنافسة لا الخصومة السياسية.

 

أحزاب تعلمنا من درس الحرب أن الوطن لا يحتمل خصومة تتحول إلى رصاص، ولا خلافاً يتحول إلى تمرد.

 

نريد أحزاباً سياسية تسعى نحو المدنية وفق عضويتها لا محاصصتها. حزب قوي لأنه يملك أعضاء مقنعين في كل حي وقرية، لا لأنه يملك نصيباً من كيكة السلطة في غرفة مغلقة.

 

أحزاب تنافس بالفكرة والإقناع والتأثير، لا بسلاح البندقية والتمرد.

 

الحزب الذي لا يستطيع أن يقنع المواطن ببرنامجه في السوق والجامعة والمسجد، لا يحق له أن يقنعه بفوهة البندقية.

 

نريد برلماناً تتصارع فيه الأفكار لا الأجساد، ومنابر تتبارى فيها البرامج لا القبائل، وانتخابات يخسر فيها الحزب فيبتسم ويقول: “سأعود في الدورة القادمة بفكرة أفضل”، لا أن يحمل سلاحه ويقول: “سآخذها بالقوة”.

 

الحزبية في السودان القادم يجب أن تكون مدرسة للوطنية، لا دكاناً للمحاصصة، من أراد الحكم فليأت عبر صندوق الانتخاب، ومن أراد التغيير فليأت عبر الوعي، ومن حمل السلاح لفرض رأيه، فقد خرج من السياسة إلى الإجرام، ولا مكان له بيننا.

 

إن المنافسة الشريفة هي التي تصنع الدول العظيمة، أما الخصومة الحاقدة فهي التي صنعت الحرب، ونحن قد دفعنا ثمنها غالياً، ولن ندفعها مرة أخرى.

 

اخيرا وليس آخرا :

 

عادت الخرطوم، وهذا وحده نصر.

 

لكن العودة الحقيقية ليست أن نعود إلى بيوتنا، بل أن نعود إلى قيمنا وسلوكنا ومعاملاتنا .

 

السودان القادم لن يبنيه من حمل السلاح ليدمر، بل سيبنيه من حمل القلم ليعمّر، ومن حمل الفأس ليزرع، ومن حمل المصحف ليدعو.

 

لقد دفعنا ثمن الحرب دماً ودموعاً وتشريداً، فلا يجب أن ندفع ثمن السلام أيضاً بالعودة إلى نفس الأخطاء.

 

الحرب كانت درساً وعبرة، حتى نستلهم هذه العبر وتحويلها إلى فوائد ومكاسب .

 

الخرطوم عادت تضج بالحياة.. فلنجعلها تضج بالعدل أيضاً.

 

وغدا سنرى بوضوح أكثر معالم الطريق القادم .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى