اعمدة ومقالات الرأى

نجلاء فضل الله تكتب..أكتوبر الوردي.. لا يكفي أن نرتدي اللون.. علينا أن نحمي الحياة

الخرطوم: الرسالة نيوز

نجلاء فضل الله تكتب..أكتوبر الوردي.. لا يكفي أن نرتدي اللون.. علينا أن نحمي الحياة

في أكتوبر من كل عام، يتغير لون المشهد من حولنا. يظهر الوردي على الملابس، وفي واجهات المؤسسات، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وتنتشر الشرائط الوردية والرسائل التوعوية، في مشهد عالمي يهدف إلى لفت الانتباه إلى سرطان الثدي، ودعوة النساء إلى مزيد من الوعي والاهتمام بصحتهن لكن وسط كل هذا الحضور الوردي، يبقى سؤال أكثر أهمية من اللون نفسه ماذا يحدث بعد أن نخلع الشريط الوردي؟ هل يتحول ما ارتدناه إلى وعي؟ وهل تتحول الرسائل التي نشرناها إلى معرفة؟ وهل تصل هذه المعرفة إلى المرأة التي ربما لا تملك فرصة كافية للحصول على المعلومة أو الرعاية الصحية؟ وهل نجحنا في إزالة الخوف والوصمة اللذين قد يدفعان بعض النساء إلى تأجيل السؤال أو طلب المشورة الطبية؟هنا تحديدًا تكمن القيمة الحقيقية لأكتوبر الوردي اللون يجذب الانتباه.. لكن الوعي يصنع الفرق

 

لم يعد الشريط الوردي مجرد قطعة صغيرة تعلق على الملابس، بل أصبح رمزًا عالميًا للأمل والتضامن ودعم المصابات والناجيات من سرطان الثدي غير أن الرمز، مهما كان جميلا ومؤثراً لا يستطيع وحده أن يغير الواقع فاللون يجذب العين، لكن المعلومة تخاطب العقل، والوعي يغير السلوك ولهذا ينبغي ألا تتحول حملات أكتوبر إلى مناسبة موسمية تتكرر فيها الشعارات والصور، وإنما إلى فرصة حقيقية لبناء ثقافة صحية مستمرة، تجعل المرأة أكثر معرفة بجسدها، وأكثر قدرة على الانتباه للتغيرات التي تستدعي الاستشارة الطبية، وأكثر وعيا بأهمية اتباع الإرشادات الصحية المناسبة لها إن التوعية الحقيقية ليست في أن نقول للمرأة «لا تخافي» فقط، بل في أن نمنحها المعرفة التي تساعدها على التعامل مع صحتها بوعي، وأن نوجهها إلى المصادر والجهات الصحية المختصة عندما تحتاج إلى المشورة، و ما وراء الشعار تتكرر خلال أكتوبر عبارة «الفحص المبكر.. حياة»، وهي رسالة بالغة الأهمية، لكنها تصبح أكثر قيمة عندما تتحول من شعار إلى سلوك صحي فالكشف المبكر ليس مناسبة مرتبطة بشهر معين، ولا إجراءً ينبغي أن تتذكره المرأة فقط عندما تمتلئ الشوارع باللون الوردي. بل إن الاهتمام بالصحة ينبغي أن يكون مستمرًا، مع الالتزام بالمشورة الطبية والفحوص التي يحددها المختصون وفق عمر المرأة وتاريخها الصحي وعوامل الخطورة لديها وقد تبدأ رحلة الاطمئنان بخطوة تبدو بسيطة سؤال، أو استشارة، أو زيارة إلى جهة صحية مختصة المهم ألا يتحول الخوف إلى سبب للتأجيل فالخوف من معرفة الحقيقة لا يلغي وجودها، بينما المعرفة تمنح الإنسان فرصة أفضل للتصرف بصورة صحيحة وفي الوقت المناسب حين يصبح الصمت خطراً،آخر لا يزال الحديث عن بعض القضايا الصحية في مجتمعاتنا محاطا أحيانا بالحرج والخوف، وقد تجد بعض النساء أنفسهن أمام مسؤوليات الأسرة والعمل والظروف المعيشية، فيضعن صحتهن في آخر قائمة الاهتمامات وقد يؤدي الخوف من المرض، أو الخجل من الحديث عنه، أو انتشار معلومات غير دقيقة، إلى تأجيل طلب المشورة الطبية وهنا لا تكون المشكلة في نقص الخدمات الصحية وحدها، وإنما في ثقافة الصمت التي يمكن أن تحول دون الوصول إلى المعلومة الصحيحة لذلك فإن واحدة من أهم رسائل أكتوبر الوردي هي أن نتعلم كيف نتحدث عن سرطان الثدي دون تهويل، ودون وصمة، ودون تخويف أن نتحدث عنه باعتباره قضية صحية يمكن مواجهتها بالمعرفة والرعاية والمساندة أن نقول للمرأة إن السؤال ليس عيبًا، والاستشارة ليست سببًا للخجل، والاهتمام بالصحة ليس رفاهية المرأة ليست وحدها في هذه المعركة

 

حين نتحدث عن صحة المرأة، لا ينبغي أن نضع المسؤولية كلها على عاتقها،الأسرة شريك ،والصديقة شريك،والإعلام شريك والمؤسسات الصحية شريك والمجتمع بأكمله شريك فكلمة تشجيع من شخص قريب قد تدفع امرأة إلى طلب المشورة، ومعلومة صحيحة في برنامج إذاعي أو تلفزيوني قد تصل إلى امرأة لم تصلها من قبل، وحملة توعوية جيدة التصميم قد تكسر حاجزا من الخوف، وخدمة صحية يسهل الوصول إليها قد تمنح فرصة حقيقية للرعاية لهذا فإن التوعية بسرطان الثدي ليست مسؤولية القطاع الصحي وحده، بل هي مسؤولية مجتمعية تتقاطع فيها الصحة والإعلام والتعليم والأسرة والعمل والمجتمع المدني لا نريد شفقة نريد تضامناً ومن بين أهم الرسائل التي يجب أن يحملها أكتوبر الوردي، إعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع النساء المصابات والناجيات.

 

المريضة لا تحتاج إلى وصمة والناجية لا تحتاج إلى نظرات شفقة ما تحتاجه هو الاحترام، والدعم، والمساحة الآمنة، والمعلومة، والرعاية فالسرطان تجربة صحية صعبة، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى حكم اجتماعي على الإنسان كما أن قصص النساء اللواتي خضن هذه التجربة يمكن أن تكون مصدر أمل وإلهام، عندما تُروى بإرادتهن وبالطريقة التي تحفظ خصوصيتهن وكرامتهن إن مجتمعًا يعرف كيف يساند مريضاته وناجيته هو مجتمع أكثر قدرة على بناء ثقافة صحية تقوم على التعاطف والاحترام بدل الخوف والوصمة من حملة أكتوبر إلى ثقافة طوال العام ربما يكون أكبر تحدٍ أمام أكتوبر الوردي هو ألا ينتهي بانتهاء أكتوبر فبعد أن تنتهي الحملات، وتختفي الشرائط من الملابس، وتتراجع المنشورات على منصات التواصل، يجب ألا تختفي القضية من الوعي العام لأن سرطان الثدي لا يتوقف عند نهاية الشهر، وصحة المرأة لا ترتبط بتقويم الحملات.المطلوب هو أن يصبح أكتوبر نقطة انطلاق لا نقطة نهاية أن نبدأ في أكتوبر، لكن نستمر بعده أن تكون التوعية مستمرة، والمعلومة متاحة، والحوار مفتوحًا، والخدمات الصحية أكثر قربًا من النساء، وأن تتضافر جهود الأسرة والإعلام والمؤسسات الصحية والمجتمع من أجل خلق بيئة تشجع المرأة على الاهتمام بصحتها دون خوف أو خجل

 

ماذا بعد الشريط الوردي؟في النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم كم شريطا ورديا ارتدينا؟ بل كم امرأة وصلت إليها الرسالة؟كم امرأة حصلت على معلومة صحيحة؟كم امرأة تجرأت على السؤال بعد أن كان الخوف يمنعها؟كم أسرة تعلمت كيف تدعم امرأة تمر بتجربة المرض؟وكم وصمة نجحنا في كسرها؟هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تلاحقنا بعد أن ينتهي أكتوبر فاللون الوردي جميل، لكنه ليس الغاية، الغاية أن يتحول هذا اللون إلى رسالة، والرسالة إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي، والوعي إلى سلوك صحي مستمر فلنرتدِ الوردي، ولنرفع شعاره، ولننشر رسالته، لكن لنجعل وراء كل شريط قصة اهتمام، ووراء كل حملة معرفة، ووراء كل رسالة خطوة نحو صحة أفضل قد ينتهي أكتوبر، لكن الوعي يجب ألا ينتهي قد يختفي الشريط الوردي، لكن رسالته يجب أن تبقى لأن المرأة ليست مجرد رقم في إحصائية، ولا وجهًا في حملة توعوية، ولا صورة ترتدي شريطًا وردياً إنها أم، وابنة، وأخت، وزوجة، وعاملة، وطبيبة، ومعلمة، وقائدة، وإنسانة تستحق أن تكون صحتها أولوية أكتوبر الوردي،شهر للتوعية، لكن صحة المرأة قضية كل يوم الفحص المبكر حياة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى