اعمدة ومقالات الرأى

محمد عثمان الرضي..يكتب..الوقود.. من يدير هذا الملف الغامض؟

الخرطوم: الرسالة نيوز

محمد عثمان الرضي..يكتب..الوقود.. من يدير هذا الملف الغامض؟

 

 

 

أخطر ما يواجه الدول في زمن الحروب ليس صوت المدافع وحده، بل الملفات التي تدار في الظل بعيداً عن أعين الناس. وملف الوقود في السودان أصبح اليوم واحداً من أكثر الملفات غموضاً وتعقيداً، حتى بات المواطن لا يعرف من يملك القرار الحقيقي فيه، ومن يتحمل مسؤولية الطوابير التي عادت لتحتل الشوارع. الحروب العسكرية تستهلك الجيوش، أما الحروب الاقتصادية فتستنزف الدول من الداخل بصمت. والتاريخ السوداني القريب يقدم درساً واضحاً؛ إذ لم تسقط حكومات بسبب نقص السلاح، وإنما بسبب عجزها عن إدارة معاش الناس حكومة الرئيس السابق عمر البشير ظلت ثلاثين عاماً في السلطة، لكن الأزمة الاقتصادية كانت العامل الحاسم في نهايتها. ولذلك فإن التعامل مع ملف الوقود باعتباره أزمة عابرة أو مشكلة فنية محدودة، يمثل قراءة غير دقيقة لخطورة ما يجري على الأرض مشهد طوابير السيارات أمام محطات الوقود في الخرطوم ومدن السودان الأخرى ليس مجرد ازدحام مؤقت، بل صورة تثير القلق لأنها تعيد إلى الأذهان مشاهد عرفها السودانيون من قبل. والمواطن الذي يقضي ساعات في الانتظار لا تشغله التعقيدات الإدارية ولا تفاصيل الإجراءات، بل يبحث عن الوقود الذي يحتاجه لحياته اليومية. هنا يبرز السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: كيف تتحول دولة تمتلك مؤسسات وشركات وخبرات في مجال الوقود إلى دولة تقف فيها السيارات في صفوف طويلة للحصول على سلعة استراتيجية؟ وأين تكمن الحلقة المفقودة بين الاستيراد والتوزيع؟

قرار بنك السودان المركزي الخاص باشتراط إيداع ضمانات كبيرة من الذهب للدخول في منافسة استيراد الوقود قد يكون مفهوماً من زاوية الضمانات المالية، لكن من حق الرأي العام أن يتساءل عن أثر هذه السياسات على توسيع المنافسة أو تضييقها، خصوصاً في ظروف استثنائية تعيشها البلاد الاقتصاد لا يدار بالقرارات المعزولة، وإنما بالنتائج. فإذا أدت السياسات إلى تقليل عدد المتنافسين أو إبطاء الإمدادات، فإن الواجب يقتضي المراجعة والتقييم، لأن الهدف النهائي ليس إصدار القرارات، بل توفير الوقود للمواطن بلا أزمات المؤسف أن ملفاً بهذه الحساسية لا يزال محاطاً بقدر كبير من الضبابية. فكلما غابت المعلومات الدقيقة، اتسعت دائرة الشائعات والتأويلات، وأصبح المواطن أسير التخمين بدلاً من الحقائق. الحكومة مطالبة اليوم بأكثر من البيانات والتطمينات. المطلوب كشف الحقائق للرأي العام بشفافية كاملة: حجم الواردات، حجم المخزون، آليات التوزيع، المعايير التي تحكم المنافسة، والعقبات التي تواجه الإمدادات. زيارة رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس لمحطات الوقود تحمل رسالة إيجابية بأن الحكومة تتابع الأزمة، لكن الزيارات الميدانية مهما كانت أهميتها لا يمكن أن تكون بديلاً عن المعالجة الجذرية. فالمواطن لا ينتظر الصور، بل ينتظر انتهاء الطوابير. الخلل الحقيقي يبدو أنه ليس في توفر القرارات، وإنما في فعالية التنفيذ والمتابعة والمحاسبة. فالقرارات التي لا تصل آثارها إلى حياة الناس اليومية تتحول إلى أوراق في الملفات، بينما تبقى الأزمة في الشارع كما هي. تماسك الجبهة الداخلية في زمن الحرب يبدأ من قدرة الدولة على إدارة ملفات الخدمات الأساسية بكفاءة ووضوح. وكل اضطراب اقتصادي غير مبرر ينعكس مباشرة على المزاج العام والثقة في المؤسسات. المطلوب اليوم ليس البحث عن مبررات جديدة، وإنما البحث عن حلول جديدة. فالوقود سلعة استراتيجية، وأي ارتباك في إدارتها ينعكس على النقل والزراعة والصناعة والأسواق وحياة المواطنين كافة. وإذا كانت الحرب العسكرية تحتاج إلى غرفة عمليات، فإن الحرب الاقتصادية تحتاج أيضاً إلى غرفة عمليات لا تقل صرامة ووضوحاً ومحاسبة. لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس نقص الوقود وحده، بل غياب الإجابات الواضحة عن سؤال بسيط: من يدير هذا الملف؟ وكيف يدار؟ ولماذا يدفع المواطن ثمن التعقيد والغموض كل مرة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى