
محمد عثمان الرضي..يكتب..من يحكم الدولة؟… عندما تُهزم قرارات رئيس الوزراء داخل مؤسسات الحكم
لم يعد ما جرى بشأن قرار تعيين السفير إدريس محمد علي محمد سعيد وكيلاً لوزارة الخارجية مجرد خطأ إداري عابر، بل تحول إلى واقعة سياسية وإدارية تستحق الوقوف عندها طويلاً، لأنها تمس هيبة الدولة في الصميم. يصدر رئيس مجلس الوزراء قراراً رسمياً، ثم لا تمضي ساعات حتى يخرج بيان ينفي صحة القرار. وبين القرار والنفي تضيع هيبة الدولة، ويضيع معها احترام المؤسسات. هذه ليست أزمة تعيين شخص، وإنما أزمة سلطة، وأزمة احترام للموقع الدستوري لرئيس مجلس الوزراء.
الدولة التي تعجز عن حماية قرارات رئيس حكومتها، تفتح الباب أمام الفوضى الإدارية، وتبعث برسائل سالبة إلى الداخل والخارج. ما حدث يفرض سؤالاً لا يمكن الهروب منه: من صاحب القرار النهائي داخل مؤسسات الدولة؟ وإذا كان قرار رئيس الوزراء يمكن أن يتوقف أو يتبخر بهذه السهولة، فما قيمة بقية القرارات التي تصدر باسمه؟ الأخطر من ذلك أن الرأي العام لم يجد حتى الآن تفسيراً مقنعاً لهذا التضارب الذي هز ثقة المواطنين في مؤسسات الحكم. الصمت الرسمي في مثل هذه القضايا لا يحمي الدولة، بل يضاعف الشكوك ويمنح الشائعات مساحة أوسع للانتشار. المعلومات المتداولة تفيد بأن وزير الخارجية أُبلغ بقرار التعيين، كما أُخطر السفير إدريس محمد علي محمد سعيد بمضمون القرار، قبل أن يتغير المشهد بصورة مفاجئة. وإذا كانت هذه الوقائع صحيحة، فإن من حق الشعب السوداني أن يعرف: من الذي أوقف تنفيذ القرار؟ ولماذا؟
إن الدول المحترمة لا تُدار بالرسائل المتناقضة، وإنما بالمؤسسية والوضوح والشفافية. السفير إدريس محمد علي محمد سعيد ليس اسماً مجهولاً في وزارة الخارجية، بل هو دبلوماسي تدرج في السلك الدبلوماسي حتى بلغ درجة السفير، ويشغل حالياً منصب نائب رئيس بعثة السودان في ألمانيا. وهو من أبناء مدينة القضارف بشرق السودان، وهي منطقة قدمت للوطن رجالاً أكفاء في مختلف المواقع. كما ينتمي إلى قبيلة الحباب، إحدى المكونات الاجتماعية العريقة بشرق السودان.ووالده يشغل منصب وكيل ناظر الحباب بولاية القضارف، ويعد من الشخصيات المعروفة في الإدارة الأهلية. غير أن القضية لا تتعلق بالأصول ولا بالجهات، وإنما تتعلق باحترام الدولة لمؤسساتها. الكفاءة لا ينبغي أن تكون ضحية للصراعات أو التجاذبات الإدارية. كما أن شرق السودان ظل يعاني ضعف التمثيل في السلك الدبلوماسي، رغم امتلاكه كفاءات مشهوداً لها.
ومن بين تلك الكفاءات السفير عثمان أبوفاطمة والسفير أنور أحمد أنور، وغيرهما من الدبلوماسيين الذين أثبتوا جدارتهم. لكن القضية اليوم أكبر من الأسماء، فهي قضية هيبة الدولة نفسها. فكل قرار لا يجد طريقه إلى التنفيذ يقتطع جزءاً جديداً من ثقة المواطنين في مؤسسات الحكم. وما يقلق أكثر هو تكرار الحديث عن قرارات تنفيذية لم ترَ النور رغم صدورها. استمرار هذا المشهد يضعف سلطة رئيس الوزراء قبل أن يضعف الحكومة. فلا يمكن لرئيس حكومة أن يقود جهازاً تنفيذياً إذا كانت قراراته محل تجميد أو تعطيل دون تفسير.إن الدولة لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدر، وإنما بقدرتها على تنفيذها.
وإذا كانت هناك أسباب قانونية أو إجرائية حالت دون تنفيذ القرار، فإن إعلانها للرأي العام هو أقل واجبات الشفافية.أما ترك المواطنين في دوامة التناقضات، فهو أمر لا يخدم الدولة ولا يعزز الثقة في مؤسساتها. السودان اليوم أحوج ما يكون إلى دولة قوية، تُحترم فيها القرارات، ويُحاسب فيها كل من يتجاوز المؤسسية أو يربك الأداء العام. إن هيبة الدولة لا تُصان بالشعارات، بل باحترام القانون، وتنفيذ القرارات، ومصارحة الشعب بالحقيقة كاملة. ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته: هل يملك رئيس مجلس الوزراء السلطة الكاملة لتنفيذ قراراته، أم أن هناك مراكز نفوذ أصبحت قادرة على تعطيلها دون مساءلة أو تفسير؟




