
د.اسماعيل الحكيم ..يكتب ..معركة الوجود السوداني وعَمى المجتمع الدولي: هل تكسر “دبلوماسية البيانات” طوق التمرد؟
لم يعد السودان يعيش أزمة سياسية أو نزاعاً عادياً على السلطة؛ إننا أمام محاولة “إبادة ممنهجة” لكيان الدولة واختطاف لهويتها التاريخية. والحرب تدخل اليوم عامها الرابع ، لا تزال البلاد ترزح تحت مقصلة حرب وجودية صفرية، تخوضها القوات المسلحة ضد ميليشيا متمردة استباحت الأرض والعِرض، وتحركها شهوة النهب وتغذيها الأطماع العابرة للحدود. وأمام هذا المشهد، تبدو التساؤلات المطروحة في المحافل الدولية حول فرص التسوية والمساواة بين الجيش والميليشيا ضرباً من التزييف الفج ، فالسؤال الحقيقي والملحّ اليوم: هل يملك المجتمع الدولي الإرادة للاعتراف بطبيعة الصراع ودعم مؤسسات الدولة الشرعية، أم أن الضغوط الراهنة مجرد طقوس دبلوماسية لتبرئة الذمة وتدوير الأزمة؟
لقد تحرك قطار المبادرات الدولية منذ الوهلة الأولى لاندلاع الحريق، لكنه سقط سقطة أخلاقية وقانونية مدوية عندما حاول المساواة بين الجيش الوطني الذي يمثل سيادة البلاد، وبين ميليشيا الدعم السريع المتمردة. ففي ألمانيا وبرلين ، انطلقت مؤتمرات المانحين والشركاء، وظنّ العالم أن تضميد الجراح بالإغاثة يمكن أن يداري عجز المجتمع الدولي عن اتخاذ موقف أخلاقي حاسم يصنف الميليشيا كمنظمة إرهابية.
وتوالت المحطات، من منصة جدة إلى جنيف بسويسرا ، وتحولت عواصم الرفاه إلى مسارح لمفاوضات عبثية تمنح المتمردين شرعية لا يستحقونها على ورق الاتفاقيات، بينما تمطر مدافعهم ومرتزقتهم القرى والمدن الآمنة بجحيم القتل والنهب والتهجير القسري وليس الأبيض ببعيدة ..إنها مفارقة النفاق الدولي حيث يطالبون الجيش بمراعاة القوانين الدولية، ويتعامون عن جرائم التطهير العرقي واحتلال بيوت المواطنين من قِبل الميليشيا.
وعلى مقربة من خط النار، شكلت قمة دول جوار السودان في العلمين بمصر مقاربة إقليمية أكثر وعياً بخصوصية الأزمة. إذ لم تكن قمة العلمين بروتوكولاً عادياً، بقدر ما كانت صرخة تحذير حادة تنطلق من الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية وعلى رأسها القوات المسلحة، باعتبارها صمام الأمان الوحيد لمنع انزلاق المنطقة نحو فوضى شاملة.
فقد أدركت العلمين أن تفكيك الدولة لصالح ميليشيا متمردة يعني تحويل السودان إلى بؤرة لتصدير الإرهاب والنزوح. ومن هنا وضعت القمة رؤية ترفض التدخلات الأجنبية الخبيثة التي تمد الميليشيا بالسلاح عبر الحدود، مطالبة بوقف هذا الدعم اللوجستي الذي يطيل أمد المحرقة ويستهدف تدمير البنية التحتية للدولة .
وأحسب أن الإجابة على استعصاء الحل بعد سنوات ثلاث عجاف من القتالتكمن في ثلاثة اعترافات صادمة: غياب التوصيف القانوني والأخلاقي: يصر المجتمع الدولي على استخدام لغة ضبابية تسمي الأمور بغير مسمياتها (كالحديث عن طرفي نزاع )، متجاهلاً أن هناك جيشاً يدافع عن مقار الدولة الدستورية، وميليشيا تمارس سلوك العصابات والجرائم ضد الإنسانية. هذا التمييع هو ما يمنح التمرد عمراً إضافياً.
خطوط الإمداد المفتوحة وأموال الدم: لا تستمر الميليشيا في القتال طوال هذه السنوات بفضل حاضنة شعبية، بل بفضل تدفق السلاح العابر للحدود وتمويل شبكات المصالح الخفية التي تنهب الذهب السوداني. وطالما أن العقوبات الدولية لا تطال الدول والقوى الإقليمية التي تمد التمرد بشريان الحياة، فإن الضغوط السياسية تظل بلا مخالب.
عقيدة الاختطاف مقابل واجب الدفاع: يجد الجيش السوداني نفسه أمام واجب دستوري وأخلاقي لا يقبل المساومة، وهو حماية سيادة البلاد ومنع انهيارها، بينما تقاتل الميليشيا بعقيدة الغنيمة وبقاء القوة المسلحة الموازية للدولة، مما يجعل صيغ التسوية التقليدية غير قابلة للحياة.
فلن تنجح الضغوط الدولية إذا استمرت بصيغتها الحالية القائمة على المناشدات الهشة . إن السلام الحقيقي لا يعود إلى السودان عبر استرضاء المتمردين، وإنما عبر تحول استراتيجية المجتمع الدولي من “دبلوماسية الوعظ إلى دبلوماسية الردع الخانق للميليشيا وداعميها ، بتجفيف منابع تمويلها، وملاحقتها جنائياً، واعتراف العالم صراحةً بالشرعية الحصرية لمؤسسات الدولة.
إن الرهان على النوايا الدولية وحدها هو رهان خاسر، وقد أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن دماء السودانيين ليست سوى أرقام في تقارير الأمم المتحدة ونظيراتها . فالمؤتمرات من برلين إلى العلمين قد تقدم خرائط طريق ، لكن حماية الوطن وتثبيت أركان الدولة يُصنعان بصمود القوات المسلحة والتفاف الشعب حولها في معركة الكرامة. إن السودان اليوم يقف في مرحلة فرز تاريخي ، فإما دولة مؤسسات قوية تُبسط سيادتها بقوة القانون والردع، أو سقوط في فوضى الميليشيات التي لن ترحم أحداً، وحينها لن ينفع بكاء المجتمع الدولي على أطلال دولة كانت مناراتها تضيء القارة.




