
محمدعثمان الرضي..يكتب..الجنرال إبراهيم جابر والرهان على إنقاذ الاقتصاد السوداني
عودة عضو مجلس السيادة الفريق بحري إبراهيم جابر إلى واجهة المشهد الاقتصادي من جديد ليست حدثاً عادياً يمكن المرور عليه مرور الكرام، بل تحمل في طياتها العديد من الدلالات السياسية والاقتصادية والإدارية التي تستحق التوقف عندها والتأمل في أبعادها المختلفة. ففي لحظات الأزمات الكبرى تبحث الدول عادةً عن الشخصيات التي تمتلك القدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية ومواجهة التحديات دون تردد، وهي صفات لا تتوافر إلا في عدد محدود من القيادات التي أثبتت كفاءتها في ميادين العمل العام. إن إدارة الأزمات ليست مجرد منصب أو سلطة، وإنما هي علم وفن قائم على سرعة الاستجابة، ودقة التشخيص، والقدرة على المتابعة المستمرة حتى تتحول القرارات من مجرد حبر على الورق إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. وخلال الأشهر الماضية ظل الملف الاقتصادي يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الدولة، في ظل الانفلات المستمر لسعر صرف العملات الأجنبية وما ترتب عليه من ارتفاع في الأسعار وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.
ولم يعد خافياً على أحد أن التدهور المتسارع في قيمة العملة الوطنية ألقى بظلاله الثقيلة على مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، الأمر الذي فرض ضرورة البحث عن حلول استثنائية تتناسب مع حجم الأزمة. ومن أبرز الملفات التي استحوذت على اهتمام لجنة معالجة الاختلالات الاقتصادية ملف استيراد المشتقات البترولية، باعتباره من أكثر القطاعات استهلاكاً للنقد الأجنبي وأكثرها تأثيراً على حركة السوق. وتشير المعطيات إلى أن عدداً من الشركات العاملة في هذا المجال كانت تعتمد بصورة كبيرة على شراء العملات الأجنبية من السوق الموازي لتغطية احتياجاتها التمويلية، وهو ما ساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في زيادة الطلب على الدولار.
ومن هنا جاءت أهمية الإجراءات الجديدة التي وضعتها اللجنة برئاسة الفريق إبراهيم جابر، والتي استهدفت إحكام الضوابط المنظمة لعمليات الاستيراد وربطها بقدرات مالية حقيقية تضمن الحد من المضاربات والطلب غير المنتج على العملات الأجنبية. وقد مثل اشتراط وجود احتياطيات من الذهب أو العملات الأجنبية لدى الشركات المستوردة خطوة لافتة تعكس توجهاً نحو إعادة الانضباط إلى سوق النقد الأجنبي والحد من الممارسات التي أرهقت الاقتصاد الوطني لسنوات طويلة. ورغم أن الحكم على نجاح أي سياسة اقتصادية يحتاج إلى وقت كافٍ، فإن المؤشرات الأولية التي أعقبت هذه الإجراءات أظهرت حالة من التراجع النسبي في أسعار العملات الأجنبية مقارنة بمستوياتها السابقة. ويبقى التحدي الحقيقي هو ضمان استدامة هذه النتائج وتحويلها إلى مكاسب طويلة الأمد تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين ومعيشتهم اليومية.
كما أن عودة الدولة للقيام بدور أكثر فاعلية في الإشراف على قطاع المشتقات البترولية تمثل تحولاً مهماً بعد سنوات من الاعتماد شبه الكامل على آليات السوق والقطاع الخاص في إدارة هذا الملف الحيوي. ولا يعني ذلك إقصاء القطاع الخاص أو التقليل من دوره، وإنما يهدف إلى إيجاد توازن يضمن تحقيق المصلحة العامة ومنع أي اختلالات تؤثر على استقرار الاقتصاد الوطني. وفي المقابل، فإن النقد الحقيقي يجب أن يتجه إلى السياسات التي سمحت بتفاقم الأزمة خلال الفترات الماضية دون أن تنجح في بناء أدوات فعالة للسيطرة على سوق النقد أو الحد من المضاربات التي استنزفت الاقتصاد. فالمواطن السوداني لم يعد يبحث عن التبريرات بقدر ما يبحث عن النتائج، ولم تعد الشعارات وحدها كافية لإقناع الشارع الذي أنهكته الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
وعلى الصعيد الإداري، فإن تجربة إبراهيم جابر في ملف إعادة تهيئة العاصمة الخرطوم بعد تحريرها أظهرت قدرة واضحة على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ العملي، رغم ما واجه المشروع من عقبات وتحديات كبيرة. ولعل ما يميز بعض القيادات هو قدرتها على الظهور في اللحظات الحرجة التي تحتاج إلى الحسم والانضباط والمتابعة الدقيقة، وهي صفات جعلت اسم إبراهيم جابر يرتبط في أذهان كثيرين بالملفات المعقدة والتحديات الاستثنائية. ومن هنا يمكن فهم أسباب عودته لقيادة أحد أكثر الملفات حساسية في الدولة، وهو الملف الاقتصادي الذي ظل يشكل مصدر قلق مستمر للمواطنين وصناع القرار على حد سواء.
إن نجاح هذه المهمة لن يكون نجاحاً لشخص أو جهة بعينها، بل سيكون نجاحاً للدولة وللاقتصاد الوطني وللمواطن الذي ينتظر حلولاً حقيقية تعيد الاستقرار إلى الأسواق وتخفف من أعباء المعيشة. وفي نهاية المطاف، فإن المرحلة الراهنة تتطلب تضافر الجهود وتكامل الأدوار بين جميع مؤسسات الدولة، بعيداً عن الصراعات الجانبية وحسابات النفوذ، لأن التحديات الاقتصادية الراهنة أكبر من أن تواجهها جهة واحدة. أما النتائج النهائية فستظل المعيار الحقيقي الذي سيحكم من خلاله التاريخ على نجاح أو إخفاق كل من تولى مسؤولية هذا الملف المصيري.




