اعمدة ومقالات الرأى

د.اسماعيل الحكيم..يكتب..ويلٌ لأُمّ غُرّة من غفلةِ البصائر: صيحةُ نذيرٍ قبلَ فواتِ الأوان

الخرطوم: الرسالة نيوز

د.اسماعيل الحكيم..يكتب..ويلٌ لأُمّ غُرّة من غفلةِ البصائر: صيحةُ نذيرٍ قبلَ فواتِ الأوان

لم يعدِ القلمُ في أيدينا أداةَ تسليةٍ أو وسيلةَ تدوين، لكنه استحالَ مِشْرَطاً يَنْكأُ الجرحَ لِيَسْتخرجَ الداء، وقرنَ استشعارٍ حادّاً حباهُ اللهُ للصحفيِّ الغيورِ لِيُسابقَ بهِ الوقت، ويستقرئَ مآلاتِ الخرابِ قبلَ أن تطأَ سنابِكُه الأرض. ومن مشكاةِ هذا الصدقِ المستعر، نَضُمُّ أصابعَنا قبضةً واحدةً مع كلِّ قلمٍ حرٍّ استفزَّتْهُ قوافلُ الموتِ ومسيراتُ الغدرِ وهي تتساقطُ كجرادٍ خريفٍ كثيف – يوماً بعد يوم – فوقَ رؤوسِ أهلِنا الأبرياءِ في “الأبيض”. إنها صيحةُ نذيرٍ عريان، زلزالٌ يرجُّ القلوب، ونفخةُ صورٍ توقظُ الضمائرَ المؤتفكة قبلَ أن يُرفعَ أذانُ الفجيعة.

إنَّ “الأبيض” ليستْ عاصمةً في سفرِ الجغرافيا فحسب ، إنما هي سُرّةُ السودانِ النابضة ووسطه الحي ومُنتهى قوتهِ الاقتصادية، ومِعجَنُ بنيتهِ الاجتماعية والثقافية . هي القلعةُ التي إنْ هُدِّمَتْ أسوارُها، تهاوى فُسطاطُ الوطنِ أجمع. وتلكَ المليشيا الباغيةُ لا تجهلُ ميزانَ هذهِ المدينة، بل تدركُ ثِقْلَها الاستراتيجي، ولأنها ولِغَتْ في دماءِ الحواضر، فلن تستبدلَ الذي هو أدنى بالذي هو خير ، ولن تَكُفَّ عن حشدِ قطعانِها حتى تسحقَ هذهِ الجوهرةَ في قبضتِها، لتُلْحِقَها بعواصمَ ومدنٍ خلتْ من قبلِها، فصارتْ قاعاً صفصفاً.

وبينَ دَعواتٍ تترددُ في الأثيرِ لتكوينِ “درعِ كردفان” كطوقِ نجاةٍ أخير، وبينَ نداءاتٍ تستصرخُ كاريزما القيادةِ التاريخية وتُطالبُ بإعادةِ أحمد هارون لإدارةِ لظى هذهِ الأزمة.. وبناء الصف الكردفاني الغليظ ، تظلُّ هذهِ الكلماتُ رسائلَ مغموسةً باللَّهب نَقْذِفُ بها في بريدِ قيادةِ الجيشِ وأبناءِ كردفانَ على حدٍّ سواء:

إلى جنرالاتِ الجيش ، إنَّ الصبرَ التكتيكيَّ إذا جاوزَ مِيقاتَهُ استحالَ خذلاناً! وإنَّ الأبيضَ لا تطلبُ عطفاً، ولكنها تقتضي حقّاً. أَروا هذهِ المليشيا من بأسِكم وتكتيكاتِ حربِكم صاعقةً ترتجفُ لها فرائصُهم، وتقرُّ بها أعينُ الثكالى، وتَشْفِ صدورَ قومٍ مؤمنينَ صبروا وصابروا على لأواءِ الحربِ وسِنينِها العِجاف. كما أنَّ الترددَ اليومَ يُعتبر شراكة في الجريمة.

وإلى سَراةِ كردفانَ وأبنائِها ، إنَّ الديارَ إذا استُبيحتْ لا تنفعُها البواكي. فأدركوا “أمَّ غُرّة” قبلَ أن تُمزَّقَ ثيابُ عِزَّتِها، وتسقط في يد المليشيا فتجعل أعزة أهلها أذاة وكذلك يفعلون ، فما بعدَ سقوطِ القلاعِ إلا سياطُ الهوان. فاخلعوا ثوبَ التفرُّجِ وذودوا عن حِياضِكم، فالتاريخُ لا يكتبُ أسماءَ القاعدينَ إلا في هوامشِ المذلّة.

لقد نفثنا في الروعِ ما تمليهِ أمانةُ الكلمة، وشققنا حُجبَ الصمتِ بعباراتٍ لا تقبلُ التأويلَ ولا تحتملُ التجميل. بَلَّغْنا نداءَ الأرضِ والعِرْض، ولم نتركْ لعاجزٍ مَعْذِرة، ولا لِغافلٍ حُجَّة.اللهمَّ قد سُكِبَ المدادُ نذيراً.. اللهمَّ فاشهدْ إني قد بلغت!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى