
محمد عثمان الرضي..يكتب..المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية…. تكريم الإنجاز أم صناعة النفوذ؟
في الوقت الذي ينتظر فيه السودانيون حلولاً عملية لمشكلات تهريب الذهب واستنزاف الموارد المعدنية، انشغلت بعض الدوائر المحيطة بالمدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية الأستاذ محمد طاهر عمر بتنظيم سلسلة من الاحتفالات والفعاليات التكريمية التي أثارت الكثير من علامات الاستفهام.التوقيت وحده كفيل بإثارة التساؤلات، فهذه الاحتفالات جاءت مباشرة عقب الجدل الذي صاحب انتهاء فترة تعاقد المدير العام واستمراره في منصبه، الأمر الذي منحها أبعاداً تتجاوز مجرد التكريم التقليدي. فمن حق الرأي العام أن يسأل: لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الزخم؟ وما الرسائل التي يراد إيصالها إلى مراكز اتخاذ القرار؟ الشركة السودانية للموارد المعدنية ليست مجرد مؤسسة خدمية، وإنما واحدة من أهم المؤسسات الإيرادية المرتبطة بإدارة الثروة المعدنية في السودان. ولذلك فإن أي نشاط يحيط بقيادتها يجب أن يخضع لمعايير الشفافية والوضوح والمساءلة. وحتى هذه اللحظة لا تزال معلومات أساسية تتعلق بالوضع التعاقدي للمدير العام بعيدة عن متناول الرأي العام. فلا أحد يعلم على وجه الدقة طبيعة الترتيبات الجديدة التي استمر بموجبها في منصبه، ولا مدة العقد أو التكليف، ولا الأسس التي تم الاستناد إليها في التجديد أو التمديد. وعندما تغيب المعلومات الرسمية، تتسع مساحة التساؤلات والتأويلات.
الأخطر من ذلك أن بعض مظاهر الاحتفاء بدت وكأنها حملة علاقات عامة تستهدف ترسيخ حضور شخص المسؤول أكثر من تسليط الضوء على أداء المؤسسة.فالنجاح الحقيقي لا تصنعه اللافتات ولا كلمات الإشادة ولا حفلات التكريم. النجاح يقاس بما تحقق من نتائج ملموسة تنعكس على الاقتصاد الوطني وتدعم خزينة الدولة. وإذا كانت هناك إنجازات استثنائية بالفعل، فمن حق المواطنين أن يطلعوا عليها بالأرقام والبيانات والمؤشرات.ما حجم التقدم الذي تحقق في مكافحة تهريب الذهب؟ وما مقدار الزيادة في الإيرادات الفعلية لقطاع التعدين؟ وما هي الخطوات التي اتخذت للحد من الفاقد الاقتصادي المرتبط بالمعادن؟ وما الذي تحقق في ملف تنظيم التعدين التقليدي وحماية البيئة التعدينية؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق الإجابة، لا عدد الاحتفالات ولا حجم الحشود المشاركة فيها.إن تحويل المسؤول التنفيذي إلى محور دائم للاحتفاء الشخصي يبعث برسائل سالبة داخل مؤسسات الدولة. فالدول القوية تبنى بالمؤسسات الراسخة لا بالأفراد مهما كانت قدراتهم وخبراتهم. كما أن حصر النجاحات في شخص واحد ينتقص من جهود العاملين والخبراء والفنيين الذين يسهمون في إدارة القطاع يومياً ومن المؤسف أن يتحول النقاش العام من تقييم أداء المؤسسة إلى متابعة مظاهر الاحتفاء بقياداتها. السودان يواجه تحديات اقتصادية كبيرة تتطلب إدارة فعالة للموارد الوطنية وتعظيم الاستفادة منها.
والمرحلة الراهنة تحتاج إلى حلول ومعالجات عملية أكثر من حاجتها إلى المظاهر الاحتفالية.كما أن احترام الرأي العام يقتضي تقديم كشف حساب دوري يوضح الإنجازات والإخفاقات والتحديات القائمة. فالمنصب العام مسؤولية وطنية قبل أن يكون موقعاً إدارياً أو امتيازاً وظيفياً. وإذا كان الهدف من هذه الاحتفالات التعبير عن التقدير، فإن أفضل تكريم لأي مسؤول هو نجاحه في أداء واجباته وتحقيق أهداف مؤسسته.
أما إذا كانت الرسالة تتعلق بتعزيز النفوذ الإداري أو إرسال إشارات غير مباشرة إلى دوائر صنع القرار، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة لا يمكن تجاوزها. إن قطاع التعدين أكبر من الأشخاص وأهم من المناصب، لأنه يرتبط مباشرة بمستقبل الاقتصاد السوداني. وما يحتاجه السودان اليوم هو تعزيز الشفافية والحوكمة والرقابة على الموارد المعدنية. ويبقى الحكم النهائي على أي مسؤول هو ما يتركه من أثر وإنجازات حقيقية، لا عدد الاحتفالات التي تقام باسمه ولا حجم الإشادات التي تحيط به.




