اعمدة ومقالات الرأى

رحمة عبدالمنعم يكتب:«سيف كوكو».. هل تكفي الإقالة وحدها؟ (1ـ3)؟

الخرطوم: الرسالة نيوز

رحمة عبدالمنعم يكتب:«سيف كوكو».. هل تكفي الإقالة وحدها؟ (1ـ3)؟

في 22 أبريل الماضي، أصدر مجلس الوزراء برئاسة الدكتور كامل إدريس القرار رقم (81) لسنة 2026، القاضي بإعفاء المفوض العام للجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي سيف الدولة سعد كوكو من منصبه، دون أن يتضمن القرار أي إشارة إلى أسباب هذا الإعفاء، رغم حساسية المنصب وحجم المؤسسة التي يديرها.

هذا الغموض الرسمي يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة لا يمكن تجاهلها، في مقدمتها: هل كانت الإقالة مرتبطة بملاحظات رقابية أو إدارية جوهرية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم تُعلن هذه الأسباب للرأي العام بشفافية تامة، خاصة أن القضية تتعلق بمؤسسة تتولى إدارة أموال المعاشيين والضمان الاجتماعي؟

إن الجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي ليس مؤسسة عادية، بل يعد من أكبر الأذرع الاقتصادية للدولة، حيث يدير استثمارات واسعة في قطاعات حيوية تشمل العقارات والزراعة والصناعة والخدمات، إضافة إلى مساهماته في عدد من الشركات والمؤسسات المالية، وبالتالي فإن أي خلل في إدارته لا ينعكس فقط على الأداء المؤسسي، بل يمس بصورة مباشرة حقوق ملايين المستفيدين من نظام الضمان الاجتماعي.

ومن هنا، يصبح من الضروري طرح سؤال جوهري: هل جاءت الإقالة في إطار تصحيح إداري محدود، أم أنها نتيجة لملاحظات رقابية تستدعي مساراً أوسع من المساءلة والمراجعة؟ فإذا كانت الخطوة قد استندت إلى تقارير صادرة عن المراجع العام، فإن المنطق المؤسسي السليم يقتضي أن تتبعها إجراءات واضحة ومعلنة، تبدأ بفتح تحقيق رسمي، وتحديد أوجه القصور إن وجدت، ثم إحالة ما يستوجب الإحالة إلى الجهات العدلية المختصة، بما يضمن سيادة حكم القانون وعدم الاكتفاء بالإجراء الإداري وحده.

وبالأمس ناقش اجتماع مجلس مفوضي الجهاز تقرير لجنة تقييم أصول واستثمارات الجهاز، باعتباره أكبر صندوق حكومي في البلاد، حيث استعرض الاجتماع عدداً من الملفات المتعلقة بالاستدامة المالية، ورفع كفاءة الأداء الاستثماري، إلى جانب تطوير السياسات والحوكمة وتعزيز إدارة المخاطر. وأكد رئيس الاجتماع، وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية معتصم أحمد صالح، أن الهدف الأساسي للجهاز يتمثل في حماية أموال المعاشيين وتنميتها بصورة آمنة ومستدامة، بما يضمن الوفاء بالالتزامات الحالية والمستقبلية، وتعزيز الثقة في منظومة الضمان الاجتماعي.

و شدد الوزير معتصم بحسب ما أوردته وكالة السودان للأنباءعلى ضرورة تبني رؤية استثمارية حديثة تقوم على تنويع المحافظ الاستثمارية، وزيادة مستويات السيولة، وتحسين العائد الحقيقي، فضلاً عن بناء شراكات استراتيجية تدعم الاقتصاد الوطني وتسهم في تعزيز الاستدامة المالية للصندوق.

غير أن هذه التطورات تطرح بدورها تساؤلات مشروعة: هل جاءت هذه المراجعات نتيجة لاكتشاف ملاحظات جوهرية داخل الجهاز؟ وهل يرتبط تقرير لجنة تقييم الأصول والاستثمارات بصورة مباشرة بقرار إعفاء المفوض العام السابق؟ ثم هل ستقود هذه الخطوات إلى مراجعة شاملة وشفافة لكل ملفات الاستثمار وإدارة أموال الضمان الاجتماعي، أم ستظل المعالجة محصورة في حدود الإجراءات الإدارية دون كشف كامل للحقائق أمام الرأي العام؟

إن الاقتصار على الإقالة دون تقديم توضيحات للرأي العام يثير إشكالية تتعلق بمبدأ الشفافية، ويطرح تساؤلات حول مدى جدية الدولة في ترسيخ ثقافة المحاسبة، خاصة في المؤسسات ذات الطابع المالي والاستثماري الحساس، كما أن غياب الإفصاح الرسمي يضع الحكومة أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية لتوضيح حقيقة ما جرى، ليس من باب الإثارة أو الاتهام، وإنما من باب حماية المال العام وترسيخ الثقة في مؤسسات الدولة.

وكذلك تبرز تساؤلات أخرى لا تقل أهمية: كيف يمكن ضمان عدم تكرار مثل هذه الإشكالات داخل مؤسسات اقتصادية مماثلة؟ وما هي الآليات التي ستعتمدها الدولة لتعزيز الرقابة المؤسسية ومنع تداخل الصلاحيات أو انفراد القرارات في ملفات الاستثمار العام؟

إن إعلان الحكومة عن إنشاء هيئة للنزاهة والشفافية يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل بحاجة إلى تفعيل عملي ينعكس على الأرض، من خلال فتح الملفات التي تثير جدلاً عاماً، وتقديم إجابات واضحة للرأي العام حولها، بعيداً عن الغموض أو المعالجات الجزئية، وإن ملف الجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي اليوم لا يتعلق بشخص أو منصب، بل يتعلق بمنظومة إدارة المال العام، وهو ما يستوجب مقاربة تقوم على الشفافية الكاملة، والمساءلة المؤسسية، وتوضيح الحقائق دون تأخير.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأهم مطروحاً بإلحاح: هل ستكون إقالة المفوض العام بداية لمسار إصلاحي شامل داخل الجهاز، أم أنها ستظل إجراءً منفصلاً عن سياق المساءلة والمراجعة؟.. الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، مدى جدية الدولة في الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الشفافية.

 

نواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى