اعمدة ومقالات الرأى

د. إسماعيل الحكيم..يكتب..إنحناءة القائد لجيش العافية .. أعلى أوسمة الكرامة 

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. إسماعيل الحكيم..يكتب..إنحناءة القائد لجيش العافية .. أعلى أوسمة الكرامة 

إن في تاريخ السودان المثقل بالجراح لحظات استثنائية ترصدها الحوادث بشدة ، فلم يكن مؤتمر وزراء الصحة بالولايات محفلٍ بيروقراطي منعزل أو لقاء ٌ تنسيقي عادي ، إنما كان محراباً للوفاء تجلت فيه أسمى معاني التلاحم بين قمة الهرم السيادي وقاعدة الهرم الإنساني. حين وقف الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان معتذراً للكوادر الصحية رابداً على أكتافها ، فلم يكن يعتذر عن تقصير، لكنه كان يمنح وسام النبل الوطني لجيشٍ أبيض لم ينسحب من معركة، ولم يخذل مريضاً، رغم أنف الرصاص والخراب.

إن اعتذار القائد للكوادر الصحية في هذا التوقيت بالذات، يُعد ترجمةً أخلاقية لمكانة الطبيب والممرض والتقني في وجدان الدولة. وهو اعتذارٌ مستحق يحمل في طياته شكر واجب لكل من رابط في مستشفىً متهالك، ولكل من أجرى جراحةً تحت دوي المدافع. وهذا الاعتذار هو “علامة الرضا” الكبرى عن قطاعٍ أثبت أن “معركة الكرامة” لا تُخاض بالبندقية وحدها، وإنما بمشرط الجراح وتفاني الممرض وضبط الجهد الإداري.

لقد عكس هذا اللقاء أهمية تقارب الأنفاس بين صناع القرار الصحي في ولايات السودان المختلفة. فإن اجتماع وزراء الصحة من شرق البلاد وغربها، شمالها وجنوبها، وفر للدولة خريطة طريق مجانية وواقعية للجسد السوداني المثخن.

فكان مراجعة للأداء إذ لم يكن اللقاء للتمجيد، ولكنه كان وقفةً شجاعة أمام المرآة لتحديد الندوب ومعالجة القصور.

كما كان تبادل للخبرات حيث تحول المؤتمر إلى سوقٍ عكاظٍ للممارسات الناجحة والتجارب المضيئة حيث تُنقل تجربة صمود “الفاشر” لتُلهم “بورتسودان”، وتُعمم نجاحات “نهر النيل” لتُضيء دروب “القضارف” وهكذا ..

وفي خضم هذا الحراك، برزت مجهودات وزير الصحة الاتحادي، الذي استحق شكر أعلى هرم الدولة. لقد نجح في إدارة “أزمة الوجود الصحي” بحنكةٍ جعلت من الوزارة غرفة عمليات لا تهدأ، محولاً التحديات الوجودية إلى فرصٍ للبقاء، ومثبتاً أن القيادة في زمن الحرب هي “فن الممكن” المجبول بالإرادة.

لقد علم القاصي والداني حجم الاستهداف الممنهج الذي مارسته المليشيا ضد القطاع الصحي ، من تدميرٍ للمشافي، وتقتيلٍ للكوادر، وأسرٍ للشرفاء. أرادوا “إماتة” الشعب عبر تدمير نظامه العلاجي، لكن القطاع الصحي ظل واقفاً على ساقي العزيمة والإصرار .

فلم يأتِ اعتذار القيادة من فراغ، بل جاء لأن الكوادر الصحية قدموا ‘أنفس ما عندهم’ حين بخلت الظروف بكل شيء، فاستحقوا تقدير القاعدة قبل القيادة، وحب الشعب قبل ثناء المسؤول.”

إن هذا المؤتمر هو اللبنة الأولى لبناء نظام صحي يتساوى فيه السودانيون في الحقوق والواجبات. إنها رسالة مفادها أن الدولة التي تعتذر لجيشها الأبيض، هي دولة تدرك أن العافية هي أساس الاستقرار، وأن الذين ضمدوا جراح الوطن في أحلك ظروفه، هم الأجدر بقيادة نهضته في مقبل الأيام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى