اعمدة ومقالات الرأى

د. إسماعيل الحكيم .. يكتب..باصات بلا فحص ، وطرق بلا صيانة ، إنها الأمانة الضائعة

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. إسماعيل الحكيم .. يكتب..باصات بلا فحص ، وطرق بلا صيانة ، إنها الأمانة الضائعة

يُصبح الناس في بلادي ويُمسون على مقتلة عظيمة سببها حادث في طريق سريع من طرقاتنا ، فبينما يحتفي العالم العربي بأسبوع المرور كمنصة لتعزيز السلامة وحماية الأرواح، تقف الطرق القومية في السودان شاهدةً على مآسي إنسانية صامتة ومتجددة ، تتجاوز في قسوتها لغة الأرقام الصماء وتشبع الإسفلت بالدماء ، فإن ما يحدث في طرقنا السريعة هو نزيف دائم لثروة البلاد البشرية وإهمال ممتد تتحمل مسؤوليته جهات غابت عن المشهد، وتركت المسافرين يواجهون مصيراً مجهولاً بين عجلات الباصات السفرية المتهالكة وحفر الطرق القومية المتزايدة التي لا ترحم.إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن الغالبية العظمى من الحوادث الكارثية تتركز في قطاع الباصات السفرية . هذه الناقلات التي يُفترض أن تكون وسيلة “أمان” لنقل كل من يمتطي ظهرها مسافراً ، تحولت في ظل غياب الرقابة إلى توابيت طائرة . وإن غياب الإحصاء الدقيق والمُحدث بحد ذاته يعكس حجم الخلل ويبين الإشكال الحقيقي ، كما أن المشاهدات اليومية تؤكد أن معدلات الهلاك في الطرق القومية بلغت أعداداً تستوجب إعلان حالة الطوارئ المرورية .

إن المسؤولية هنا لا تتجزأ، إنما تقع عباءتها الثقيلة على عاتق وزارة النقل التي سجلت غياباً تاماً عن القيام بدورها الدستوري والأخلاقي والمتمثل في إجراء الفحص الفني الدائم فلا يمكن أن تُسيّر مئات الباصات السفرية يومياً وهي تفتقر لأدنى مقومات السلامة ، إطارات مهترئة، كوابح غير موثوقة، وأنظمة إضاءة معطلة، وسط غياب تام لعمليات الفحص الدوري الإلزامي. ثم إهمال العنصر البشري فإن السائق هو عصب الرحلة، ومع ذلك، يغيب الفحص الدوري الجسدي والنفسي للسائقين، ولا توجد رقابة صارمة على ساعات العمل والراحة، مما يجعل “الإرهاق” شريكاً أساسياً في كل حادثة فضلاً عن المخدرات وأشباهها ..أيضاً نلحظ رقابة شكلية ومحاسبة غائبة ، إن انعدام أجهزة التتبع والرادار، وغياب الدوريات الفاعلة في طرق المرور السريع، جعل من مخالفة الأنظمة “ثقافة” ومن الالتزام بها “استثناءً”.

ولا يمكننا الحديث عن أخطاء السائقين دون الالتفات إلى الجريمة الكبرى والمتمثلة في تدهور الطرق القومية وعدم صيانتها حتى تحولت هذه الشرايين الحيوية إلى مسارات محفوفة بالمخاطر وذلك لضيق في المسارات، وانعدام للصيانة الدورية، وانتشار للحفر العميقة التي تجبر السائقين على المناورات القاتلة بالتخطي فإن الطريق الذي لا يُصان هو فخ يُنصب لأرواح الأبرياء .إن “تسوية الطرق وتعبيدها تعد فريضة شرعية ومسؤولية عظمى أمام الله تعالى. فلقد علمنا التاريخ أن تعثر “بغلة” في العراق كان يقض مضجع الحاكم خوفاً من سؤال الله، فكيف بأرواح تُزهق بالعشرات والمئات بسبب إهمال في تشييد طريق أو تقاعس عن مراقبة باص؟

وأحسب أنّ التهاون في حفظ أرواح المسافرين هو صورة جليّة من صور خيانة الأمانة ، وهو نذير سوء يوجب مراجعة الضمير قبل فوات الأوان، فإذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة.”إننا في أسبوع المرور العربي، لا نحتاج إلى شعارات تُرفع أو احتفالات تُقام، بقدر ما نحن بحاجة ماسة إلى: وعي مروري شامل يستشعر فيه السائق والراكب قيمة الروح. – ⁠رقابة تنفيذية حازمة لا تحابي أحداً. ⁠محاسبة فورية لكل من قصّر في صيانة طريق أو فحص مركبة.إن الأرواح التي فاضت إلى بارئها تشكو إلى الله ظلماً وضياعاً للأمانة، ولن يتوقف هذا النزيف إلا بوقفة رجل واحد يعيد للمواطن حقه في طريق آمن ورحلة يعقبها إياب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى