
د. إسماعيل الحكيم ..يكتب ..دمج القوات المساندة التحول من التعبئة الشعبية إلى مرحلة التنظيم المؤسسي
ما تشهده بلادنا من تحولات كبرى في ظل حرب الكرامة، أبرزت بعض القرارات الهامة بوصفها لحظات فاصلة في مسار الدولة، قرارات لا تُقاس فقط بوقعها الآني، وإنما بآثارها العميقة على مستقبل الاستقرار وبناء المؤسسات. ومن بين هذه القرارات الناضجة، ما أعلنه الفريق ياسر العطا بشأن دمج القوات المساندة التي شاركت في حرب الكرامة ضمن الوحدات العسكرية النظامية للدولة: الجيش والشرطة والأمن.
ليس هذا القرار إداري أو تنظيمي فحسب ، لكنه هو خطوة استراتيجية تعكس فهماً عميقاً لطبيعة الدولة الحديثة، حيث لا مكان لتعدد الجيوش ولا لانتشار السلاح خارج مظلة القانون. فالدولة القوية لا تقوم إلا على مؤسسة عسكرية واحدة، واضحة الانتماء، محددة المسؤوليات، خاضعة للقانون، ومنضبطة به.
ولقد أثبتت حرب الكرامة أن أبناء السودان، حين يستشعرون خطر الوطن، يتقدمون الصفوف دفاعاً عنه دون تردد. وقد كان للمستنفرين والقوات المساندة دور مشهود في إسناد القوات المسلحة في معركة الوجود. غير أن روح الدولة تقتضي أن تتحول هذه اللحظة من التعبئة الشعبية إلى مرحلة التنظيم المؤسسي، حيث يصبح كل حامل للسلاح جزءاً من منظومة قانونية واضحة، تحكمها اللوائح العسكرية والانضباط المهني.
ومن هنا تأتي أهمية قرار الدمج؛ فهو أولاً يضع المستنفر تحت مظلة القانون العسكري أو الأمني أو الشرطي الذي ينتمي إليه، فيتحول من حالة المبادرة الفردية إلى حالة الالتزام المؤسسي. وثانياً، يحقق هذا القرار رد اعتبار معنوي ووطني لكل من لبّى نداء الوطن، إذ لا يكون الجزاء فقط كلمات شكر وتقدير، بقدر ما هي إدماج حقيقي يكرّس مكانته ويمنحه الحق في الانتماء إلى مؤسسات الدولة. كما أن هذا التوجه يبعث برسالة واضحة بأن السودان ماضٍ نحو مرحلة سيادة القانون، حيث لا تعدد للواجهات المسلحة ولا ازدواج في مراكز القوة. فالتاريخ القريب في كثير من الدول أثبت أن أخطر ما يهدد استقرار الأوطان هو تشتت السلاح بين تشكيلات متعددة، وهو ما يقود – إن تُرك دون معالجة – إلى فوضى تلتهم منجزات الدولة وتضعف هيبتها.
إن دمج القوات المساندة في المؤسسات النظامية لا يعني فقط ضبط السلاح، إنما يعني كذلك بناء جيش أكثر تنوعاً وخبرة، استوعب تجربة الحرب وطاقات الشباب الذين أثبتوا صدق الانتماء للوطن. وهي في الوقت نفسه خطوة حكيمة تعزز وحدة القرار العسكري والأمني تحت راية الدولة.
لهذا، فإن المطلوب اليوم هو الإسراع في تنفيذ هذا القرار التاريخي، بروح المسؤولية الوطنية وبخطوات مدروسة تضمن الانتقال السلس إلى مرحلة التنظيم الكامل. فالتأخير في مثل هذه اللحظات الحساسة يفتح الباب للارتباك والتأويلات، بينما الحسم الواضح يعزز الثقة ويغلق منافذ الفوضى.
أما تلك الأصوات التي اعتادت أن تغرد خارج سرب الوطن، وتشكك في كل خطوة إصلاحية، فلن تغير من الحقيقة شيئاً ، أن مصلحة السودان تقتضي جيشاً واحداً وسلاحاً واحداً وقراراً سيادياً واحداً. فالدول لا تبنى بالضجيج، وإنما تبنى بالقرارات الشجاعة التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
لقد أحسنت الدولة وقيادتها حين اختارت طريق الدمج، لأنه الطريق الأقرب إلى منطق الدولة وأبعد عن فوضى المليشيات. وهو قرار نباركه وندعمه، لا لأنه يعالج واقع اليوم فحسب، بل لأنه يؤسس لمستقبلٍ يكون فيه السودان دولة قوية، يسودها القانون، ويحرسها جيش وطني واحد يحمل راية البلاد ويحفظ كرامتها.
Elhakeem.1973@gmail.com




