
تقرير – الرسالة نيوز
في خطوة عسكرية حاسمة تعكس يقظة الجيش السوداني تجاه التهديدات المتعددة، وصلت قوافل من قوات “درع السودان” إلى مدينة الدمازين، عاصمة ولاية النيل الأزرق. هذا التعزيز الاستراتيجي يأتي في وقت تتسارع فيه التحركات الميدانية لبقايا الدعم السريع المنتشرة جنوب الولاية، بالإضافة إلى مخاوف متزايدة من تدخلات إثيوبية محتملة عبر الحدود الشرقية.
الواقع الميداني في ولاية النيل الأزرق: منطقة حيوية تحت الضغط
تُعد الدمازين محوراً استراتيجياً لا غنى عنه في خريطة النزاع السوداني، حيث تربط خطوط الإمداد الجنوبية للجيش بالمناطق الحدودية الحساسة. منذ أيام حرب الجنوب، وحتى الصراع الحالي، لم تبتعد هذه المدينة عن أحداث النزاع المسلح، مما يجعلها هدفاً دائماً للقوى المعارضة.
وفي سياق الحرب الراهنة، فشلت قوات الدعم السريع في السيطرة الكاملة على الولاية، خاصة بعد طردها من ولاية سنار وتحرير مدينة سنجة. ومع ذلك، تسللت جزء منها إلى مناطق الدالي والمزموم، ثم إلى محلية التضامن الحدودية مع جنوب السودان. هذه المجموعات الصغيرة تقتصر عملياتها على هجمات تكتيكية محدودة أو تهديدات للبنية التحتية، دون قدرة على فرض سيطرة إقليمية واسعة.
إلى جانب ذلك، تتواجد قوات أخرى تابعة لحركة عبد العزيز الحلو، المتحالفة مع الدعم السريع ويقودها جوزيف توكا. نجحت هذه القوات في يونيو 2023، عقب اندلاع الحرب، في الاستيلاء على مناطق في محلية الكرمك الجنوبية مثل خور البودي، ديم منصور، وجرط غرب، والتي ما زالت تحت سيطرتها. وتعززت هذه التحالفات بعد توقيع الحركة الشعبية شمال قيادة الحلو ميثاقاً مع المليشيا العام الماضي، مما مهد لتنسيق ميداني.
وكان أول تعاون مشترك بين الدعم السريع وقوات توكا في 24 نوفمبر الماضي، حيث سيطروا على نقاط صغيرة في محلية باو – حيث كانت الجيش السوداني محدودة العدد – قبل لقائهما في منطقة مغجة وإعلانهما مركز تدريب مشترك في إحدى مناطق باو. هذه التطورات تحول الولاية إلى ساحة لعمليات هجينة تجمع بين قوات الحلو والدعم السريع.
التحديات الحدودية: شبح التدخل الإثيوبي
رغم نفي إثيوبيا الرسمي لأي دعم مباشر للدعم السريع، بما في ذلك فتح معسكرات تدريب داخل أراضيها، إلا أن الخرطوم تتحسب لسيناريوهات هجومية محتملة. تقارير استخباراتية تشير إلى تحركات على الحدود الشرقية، مما يثير تساؤلات حول استغلال المليشيا لهذه المنافذ لفتح جبهة جديدة.
عسكرياً، أي تدخل إثيوبي – سواء مباشر أو غير مباشر عبر تسهيلات لوجستية – قد يوسع النزاع إلى صراع إقليمي. سياسياً، مجرد تداول هذه الأنباء يكفي لتوتر العلاقات السودانية-الإثيوبية، مما يضع الجيش أمام معركة مزدوجة: داخلية ضد الدعم السريع، وخارجية ضد التهديدات الحدودية.
مصداقية التقارير: شهادات وتحذيرات
أفادت مصادر إعلامية بحشود للدعم السريع تخطط لهجوم على الكرمك وقيسان من الأراضي الإثيوبية. ونقل موقع “الترا سودان” إفادات عسكرية تؤكد استعداد الجيش لأي هجوم، مع رصد تحركات قادة المليشيا داخل إثيوبيا وإمدادات عتاد مستمرة. وأبرزت أن إثيوبيا تفتح أراضيها لتدريب المليشيا، مما يجعلها طرفاً في العدوان.
يؤكد نقيب الصحفيين الصادق الرزيقي صحة هذه التطورات في النيل الأزرق وبني شنقول، مشيراً إلى دعم إثيوبي يشمل عتاداً عبر جسر جوي إلى أصوصا. ويتفق الصحفي فيصل سعد، معتبراً ذلك جزءاً من “عملية شد الأطراف” برعاية إماراتية لإنهاك السودان. أما اللواء عوض عبد الرحمن، فيؤكد حشوداً إثيوبية لكنه يرى إثيوبيا غير قادرة على حرب بسبب أزماتها الداخلية في الأورومو والتيغراي والأمهرا.
أصوات إثيوبية تدعم الخط المتشدد
يقوي هذه التقارير اتجاه في الصحافة الإثيوبية، حيث يدعو كتاب استراتيجيون إلى “استراتيجية مزدوجة” تجمع الدبلوماسية بالتدخل الصامت لدعم فصائل تتقاطع مع مصالح أديس أبابا، خاصة حول سد النهضة ومياه النيل. مقال في مجلة “Horn Review” بتاريخ 25 نوفمبر 2025، للباحثتين ريبيكا مولوجيتا وماكدا غيرما، يحذر من تداعيات تفكك السودان وينصح بدعم “غير معلن” لفصائل وقائية ضد جماعات مدعومة من مصر أو إريتريا.
فتح جبهة في النيل الأزرق يهدف إلى
– تشتيت الجيش السوداني، الذي يحقق تقدماً في كردفان، باستعادة مناطق في شمال وجنوب كردفان، وفك حصار الدلنج، مع خسائر فادحة للدعم السريع
– إكمال “هلال لوجستي” يربط قوات الدعم السريع في جنوب كردفان وهجليج، مع جزء من قواته في النيل الأزرق، وحلفاء الحلو، وإثيوبيا من الشرق إلى الغرب. هذا يتطلب تحركاً سريعاً لقطع الطريق دون التأثير على كردفان.
دلالات التعزيز: استراتيجية ودلالات سياسية
تكليف “درع السودان” بقيادة أبو عاقلة كيكل – الذي يعرف المليشيا جيداً من انتمائه السابق – بإسناد الفرقة الرابعة مشاة، إلى جانب قوات الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار، يحمل دلالات عميقة أبرزها:
– معرفة كيكل بأساليب المليشيا، كما أثبتت في تحرير الجزيرة.
– مرونة القوات شبه العسكرية في اتخاذ قرارات ميدانية سريعة.
– إظهار قدرة الجيش على إدارة جبهات متعددة، رسالة داخلية وخارجية.
– تخفيف الضغط في كردفان ومنع الانفلات اللوجستي.
– إنذار لإثيوبيا والقوى الإقليمية باستعداد الجيش للتصدي.
بشكل عام، يُعد وصول “درع السودان” خطوة استباقية تحمي الولاية من قوات المليشيا في الأجزاء الجنوبية والتهديد الإثيوبي، مؤكدة قدرة الجيش على السيطرة الداخلية والحدودية، ومكرسة النيل الأزرق كحاجز استراتيجي ضد تمدد الصراع.




