
محمد عثمان الرضي..يكتب ..فوضى الجبايات على الطرق القومية… دولة تُصدر قرارات وأطرافٌ تدهسها!
إعلان وزير العدل مولانا عبدالله درف إزالة (55) نقطة تحصيل على الطرق القومية يعكس اعترافاً متأخراً بحجم الكارثة التي تضرب قطاع النقل. القرار في ظاهره حاسم، لكنه في جوهره يثير الشكوك، لأن ذات الخطوة أُعلنت مراراً دون أن ترى طريقها إلى التنفيذ الحقيقي.
في عهد الرئيس عمر حسن البشير، صدرت قرارات مشابهة، وتحركت لجان ميدانية، لكن النتائج كانت مؤقتة وسرعان ما انهارت. اليوم تعود الجبايات بصورة أكثر قبحاً وتنظيماً، وكأنها لم تُمس من قبل، بل تضاعفت وتمددت بلا رادع.الطرق القومية تحولت إلى سلسلة من الحواجز المالية، كل نقطة تمثل عبئاً جديداً يُفرض على الشاحنات والمواطنين. هذا الواقع يكشف أن المشكلة ليست في نقص القوانين، بل في غياب هيبة الدولة وقدرتها على فرض قراراتها.
الجهات المنفذة تتعامل مع قرارات المركز ببرود، بل أحياناً بتحدٍ واضح، ما يفرغها من مضمونها. ولاة الولايات فرضوا واقعاً موازياً، يشرّعون الرسوم وفق تقديراتهم الخاصة، بعيداً عن أي رقابة اتحادية فعالة. حجة توقف الدعم الاتحادي أصبحت شماعة جاهزة لتبرير فرض الجبايات على كل ما يتحرك فوق الطرق القومية.لكن الحقيقة أن المواطن هو الضحية الأولى، إذ يتحمل تكلفة هذا العبث المالي دون حماية تُذكر.
تعدد الرسوم لا يرهق قطاع النقل فقط، بل ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات في الأسواق. كل نقطة تحصيل إضافية تعني زيادة جديدة في تكلفة المعيشة، تُدفع من جيب المواطن البسيط. الاقتصاد الوطني يدفع الثمن كذلك، حيث تتعطل حركة التجارة وتتراجع كفاءة سلاسل الإمداد.
المستثمرون ينظرون إلى هذه الفوضى كبيئة طاردة، تفتقر لأبسط مقومات الاستقرار التشريعي. اتحاد غرف النقل لم يقف مكتوف الأيدي، بل دفع بمذكرات متكررة إلى رئاسة الوزراء ووزارة النقل. ملاك الشاحنات أطلقوا تحذيرات واضحة من انهيار القطاع إذا استمر نزيف الجبايات.ومع ذلك، لم يجدوا آذاناً صاغية، في مشهد يعكس فجوة عميقة بين صانع القرار وأصحاب المصلحة.
الصمت الرسمي تجاه هذه الشكاوى يطرح تساؤلات خطيرة حول جدية المعالجة. التجارب السابقة تؤكد أن القرارات غير المصحوبة برقابة صارمة تتحول إلى مجرد إعلان إعلامي. المطلوب ليس قراراً جديداً، بل آلية تنفيذ حقيقية تضع حداً لهذا التمرد الإداري. فرض هيبة الدولة يبدأ من الطرق القومية، لأنها شريان الاقتصاد وعنوان السيادة.
أي تهاون في هذا الملف يعني استمرار النزيف وتآكل الثقة في مؤسسات الحكم. إذا لم تتم محاسبة الجهات التي تتجاوز القانون، فإن الفوضى ستظل هي القاعدة لا الاستثناء. السؤال الذي يفرض نفسه الآن: من يملك الجرأة لإيقاف هذه المهزلة؟ أم أن البلاد ستظل رهينة لقرارات تُعلن في العلن… وتُدفن في الخفاء؟




