
محمد عثمان الرضي..يكتب..جمارك سواكن.. هل ينجح محمد أبوعائشة في عبور حقل الألغام القبلية؟
تسلُّم العميد شرطة محمد أبوعائشة قيادة شرطة جمارك ميناء الأمير عثمان دقنة بمدينة سواكن ليس مجرد تغيير في موقع إداري، بل اختبار حقيقي لقدرة الكفاءة المهنية على فرض هيبة الدولة وسط ضغوط المجتمع وحسابات الأهل والعشيرة. فالمناصب العامة لا تُقاس بمن يتولاها، وإنما بما يستطيع إنجازه حين تتعارض سلطة القانون مع رغبات أصحاب النفوذ الاجتماعي. جاء العميد أبوعائشة خلفاً للعميد شرطة عصمت أوشيك، ليتولى إدارة مرفق جمركي حيوي في مدينة ذات خصوصية تاريخية واقتصادية، يمثل ميناؤها أحد المنافذ المهمة لحركة التجارة والإيرادات العامة. ومن هنا، فإن نجاح المدير الجديد لن يكون شأناً إدارياً داخلياً فحسب، بل مسؤولية ترتبط بكفاءة الأداء وحماية المال العام واحترام القانون. ينحدر العميد أبوعائشة من مدينة سواكن، وتدرج في العمل الشرطي الجمركي حتى بلغ رتبة العميد. وهذه المسيرة المهنية، بحسب المعطيات المطروحة، تضع الكفاءة والخبرة في مقدمة الاعتبارات التي ينبغي أن يُنظر من خلالها إلى توليه المنصب، بعيداً عن اختزال تعيينه في انتمائه الجغرافي أو الاجتماعي. اللافت في هذه الحالة أن صلة القرابة التي تجمعه بوزير الداخلية، الفريق أول شرطة بابكر سمرا، قد تفتح باباً للتأويلات لدى البعض، لكن القرابة وحدها لا تصلح دليلاً على المحاباة، كما لا يجوز أن تكون سبباً للتشكيك في أهلية أي مسؤول. الفيصل الحقيقي هو سجل الأداء، ومدى الالتزام باللوائح، وقدرة المدير الجديد على إثبات استحقاقه للموقع بالعمل والنتائج.
ما أعجبني في حديث العميد أبوعائشة أمام قيادات ورموز مدينة سواكن هو تأكيده أنه يقف على مسافة واحدة من الجميع، وأنه لن ينحاز إلى أهله وعشيرته في الباطل. إنها رسالة مهمة، لأن المسؤول الذي يتولى إدارة مرفق عام وسط مجتمعه المحلي يحتاج إلى شجاعة أخلاقية تُمكّنه من التمييز بين واجب صلة الرحم وواجب تطبيق القانون لكن التصريحات، مهما بلغت قوتها، تظل مجرد التزام معلن إلى أن تتحول إلى ممارسة يومية. فالجميع يستطيع الحديث عن العدالة والمساواة، غير أن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما يصل صاحب المخالفة من أقرب الدوائر الاجتماعية، أو حين يطلب أحدهم استثناءً لا تسمح به اللوائح. عندها فقط تتضح المسافة بين الكلام والموقف وفي اللقاء الودي مع قيادات ورموز المدينة، لفت انتباهي تأكيد المدير الجديد أن من يأتي عبر الطرق القانونية والرسمية سيجد الدعم والتسهيلات اللازمة لإنجاز مهمته. وهذه رؤية يمكن أن تؤسس لعلاقة صحية بين إدارة الجمارك والمجتمع، شريطة ألا تتحول التسهيلات المشروعة إلى استثناءات، وألا يصبح النفوذ الاجتماعي بديلاً عن الإجراءات الرسمية الرسالة الأهم هنا أن أبواب المؤسسة ينبغي أن تكون مفتوحة أمام الجميع، لكن وفق معايير واحدة لا تتبدل بتبدل الأسماء أو درجات القرابة أو حجم التأثير الاجتماعي. فالمستثمر والتاجر والمواطن البسيط، جميعهم أصحاب حقوق أمام القانون، ولا ينبغي أن يحصل أحدهم على امتياز لمجرد أنه أقرب إلى المسؤول أو أكثر قدرة على الوصول إليه. يبدو أن العميد أبوعائشة يدرك طبيعة المهمة التي تنتظره، وأن إدارة مرفق جمركي وسط أهله تتطلب أكثر من المعرفة الإدارية؛ فهي تحتاج إلى استقلال في القرار، وحزم في تطبيق اللوائح، وحكمة في التعامل مع المجتمع. وهذه عناصر لا تكتمل إلا بوجود إدارة واضحة لا تسمح بتداخل العلاقات الخاصة مع الواجبات العامة غير أن التجارب الإدارية والاجتماعية تكشف عن معضلة متكررة: حين يتولى مسؤول إدارة مرفق داخل مجتمعه المحلي، قد يجد نفسه محاصراً بطلبات الأقارب والأصدقاء والوجهاء. وإذا لم يمتلك القدرة على وضع حدود واضحة منذ البداية، فقد يتحول المنصب من مساحة لخدمة المجتمع إلى عبء تتنازعه المجاملات والضغوط.
ومع ذلك، ليس صحيحاً أن ابن المنطقة محكوم عليه بالفشل في إدارة مؤسسة وسط أهله، كما ليس صحيحاً أن المسؤول القادم من خارجها أكثر قدرة بالضرورة على الحياد. المعيار ليس مكان الميلاد، وإنما قوة المؤسسة واستقلال القرار ووضوح اللوائح، إلى جانب نزاهة المسؤول وقدرته على مقاومة الضغوط، أياً كان مصدرها.المشكلة الحقيقية لا تكمن في أن يكون المدير من أبناء سواكن، بل في احتمال أن تتقدم الاعتبارات القبلية على مقتضيات الوظيفة العامة. فإذا أصبح الانتماء الاجتماعي معياراً لتسهيل المعاملات أو التغاضي عن المخالفات، تراجعت هيبة المؤسسة، وتحول القانون من قاعدة عامة إلى أداة انتقائية، وهو ما ينبغي على الإدارة الجديدة أن تمنعه منذ يومها الأول. من هنا، تبدو مهمة العميد أبوعائشة أشبه بالسير في حقل من الألغام الاجتماعية؛ فكل قرار حازم قد يرضي القانون ويغضب بعض أصحاب المصالح، وكل تساهل غير مبرر قد يحقق رضاً مؤقتاً لكنه يضعف الثقة في المؤسسة. وبين هذين الخيارين، لا يملك المسؤول المهني رفاهية إرضاء الجميع، بل واجب الالتزام بما تفرضه اللوائح.
وقد يكون أصعب ما يواجه المدير الجديد أن يُساء تفسير حياده؛ فإذا طبّق القانون على أحد أبناء المنطقة، فقد يراه البعض متشدداً، وإذا رفض تجاوزاً لمصلحة شخصية، فقد يجد نفسه أمام عتاب اجتماعي أو حملة من الانتقادات. لكن المسؤولية العامة لا تُدار بمنطق إرضاء الخواطر، وإنما بمنطق الحقوق والواجبات والمساواة أمام القانون. لذلك، فإن أفضل حماية للعميد أبوعائشة ليست القرابة أوالمكانة الاجتماعية أو كثرة المؤيدين، بل وجود قرارات مكتوبة، وإجراءات معلنة، ومعايير موحدة للتعامل مع المخالفات والمعاملات. فكلما استندت الإدارة إلى اللوائح والتوثيق والشفافية، ضاقت مساحة الاجتهاد الشخصي، وأصبح من الصعب تحويل القرارات المهنية إلى خصومات اجتماعية. كما أن نجاحه يتطلب بناء علاقة مؤسسية مع قيادات المدينة ورموزها، تقوم على التعاون في القضايا العامة، لا على التدخل في القرارات التنفيذية. ويمكن للوجهاء أن يسهموا في دعم الاستقرار وتوعية المجتمع بأهمية احترام الإجراءات، لكن القرار الجمركي يجب أن يظل في يد الجهة المختصة، وفق القانون والمسؤولية المهنية وفي المقابل، تقع على قيادة شرطة الجمارك مسؤولية توفير الدعم الإداري والقانوني للمدير الجديد، حتى لا يُترك وحيداً في مواجهة الضغوط. فليس من العدل أن تطالب المؤسسة مسؤولها بتطبيق القانون، ثم تتراجع عن مساندته عندما يصبح القرار غير مريح لبعض الأطراف. هيبة الدولة تُبنى بتكامل المواقف، لا بالشعارات المنفردة. ويبقى الاختبار العملي في ما ستشهده جمارك ميناء الأمير عثمان دقنة من انضباط في الإجراءات، وعدالة في المعاملات، وسرعة في إنجاز الأعمال المشروعة، وحماية للإيرادات العامة. فهذه هي المؤشرات التي ينبغي أن يُحاسب عليها المدير الجديد، لا عدد اللقاءات الاجتماعية ولا حجم الإشادات التي يحظى بها في بداية مهمته. أخيراً، لقد وضع العميد شرطة محمد أبوعائشة نفسه أمام امتحان صعب، لكنه ليس مستحيلاً. فإما أن يجعل من الكفاءة وسيادة القانون عنواناً لإدارته، وإما أن تبتلعه ضغوط المجاملة والانتماء. أما التحدي الأكبر فهو أن يثبت أن ابن سواكن يستطيع أن يخدم مدينته من دون أن يحابي أحداً فيها. فالدولة لا تختبر مسؤولها حين يطبّق القانون على الغرباء، بل حين يطبّقه على الأقربين؛ وهنا تحديداً تُعرف معادن الرجال، وتُقاس هيبة المؤسسات.




