
محمد عثمان الرضي..يكتب ..بين رصاص العدو وسمّ المخدرات: قرار رسمي يترك الشباب بلا حماية
في الوقت الذي تمضي فيه القوات المسلحة السودانية بثبات نحو حسم معركة الكرامة، وتحقق انتصارات ساحقة، وتستعيد مدينة بعد أخرى من قبضة الأعداء، كان من المنتظر أن تتكامل معركة السلاح مع معركة الوعي وحماية المجتمع من الانهيار الداخلي.
غير أن الخطر الأكبر لا يأتي دائماً من فوهات البنادق، بل من سلاح صامت، خبيث، يتسلل إلى البيوت دون ضجيج، ويحصد أرواح شبابنا ببطء قاتل، ذلك هو سلاح المخدرات.
المخدرات اليوم لم تعد ظاهرة هامشية أو حالات فردية، بل تحولت إلى وباء اجتماعي منظم، يضرب في العمق، ويستهدف الفئة الأكثر حيوية في المجتمع الشباب.
نتيجة هذا الانتشار المريع، تكاثرت أعداد المدمنين بصورة مفزعة، حتى باتت المأساة تؤرق مضاجع الأسر، وتحوّل الخوف إلى رفيق دائم في كل بيت.
وسط هذا الظلام، بزغ بصيص أمل، تمثل في مبادرة منظمة بنت مكلي القومية، بقيادة الأستاذة لبنى علي محمد عبدالرحمن، التي بادرت بإنشاء مركز متخصص لعلاج الإدمان في أحد أحياء مدينة بورتسودان العاصمه الإداريه المؤقته لجمهورية السودان.
المركز لم يكن مشروعاً نظرياً أو لافتة إعلامية، بل مؤسسة قائمة بالفعل، تم افتتاحها رسمياً بحضور وزير الرعاية الاجتماعية الاتحادي السابق، وبرفقة والي ولاية البحر الأحمر.
وخلال فترة زمنية وجيزة، استطاع المركز أن يُحدث اختراقاً حقيقياً، ويحقق نتائج ملموسة في علاج عدد مقدر من المدمنين، تعافوا كلياً وعادوا إلى حياتهم الطبيعية، أفراداً منتجين بعد أن كانوا مشاريع ضياع.
هذا النجاح لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى دعم خارجي معتبر من المملكة العربية السعودية ممثلة في مركز الملك سلمان للإغاثة، ومن منظمة قطر الخيرية.
كما حظي المركز بدعم وطني واضح من مستشفى الشرطة، ومن قيادة منطقة البحر الأحمر العسكرية، وتحديداً من وحدة الاستخبارات، في مشهد يؤكد خطورة المعركة وأهميتها.
لكن، وبينما كان المنطق يقول إن هذا النموذج يجب أن يُحتضن ويُعمم، فوجئ الجميع بقرار صادر من وزير الصحة بولاية البحر الأحمر، يقضي بإغلاق المركز.
القرار جاء بارداً، خالياً من الأسباب، صامتاً أمام الرأي العام، فاتحاً الباب على مصراعيه للأسئلة والشكوك والاستفهامات.
كيف يُغلق مركز يعالج الإدمان، في ولاية تتزايد فيها معدلات تعاطي المخدرات بصورة مقلقة؟
وبأي منطق يُحارب الداء بإغلاق أحد أهم أدوات العلاج؟
الأستاذة لبنى علي محمد عبدالرحمن، مالكة المنظمة، تحمل الجنسية الكندية، ومن أصول سودانية، تركت رغد العيش في العواصم الثلجية، وعادت لتدفع ضريبة الوطن من باب العمل الإنساني.
لم تأتِ بحثاً عن منصب، ولا سعياً وراء شهرة، بل دخلت من أوسع أبواب التضحية، فإذا بالأبواب تُغلق في وجهها بلا تفسير.
الطبيعي، بل والبديهي، إن كان هناك قصور أو مخالفة، أن يتم الاستدعاء والمحاسبة والتصحيح وفق القانون.
أما أن يصدر قرار الإغلاق فجأة، ومن دون مقدمات، ومن دون إعلان الأسباب، فذلك أمر يثير الريبة ولا يطمئن.
وهنا تبرز مسؤولية والي ولاية البحر الأحمر، الفريق الركن مصطفى محمد نور محمود، بوصفه المسؤول الأول أخلاقياً وأمنياً وشرعياً عن حياة المواطنين.
هل وُضع الوالي في صورة هذا القرار قبل صدوره من مدير عام وزارة الصحة بالولاية؟إن كان لا يعلم، فالمصيبة كبيرة.وإن كان يعلم وصمت، فالمصيبة أكبر وأخطر.انتشار المخدرات في ولاية البحر الأحمر بلغ مستويات مزعجة، رغم الجهود المبذولة من الأجهزة الأمنية، ما يعني أن المعركة تحتاج إلى تكاتف، لا إلى قرارات مرتجلة.
إغلاق مركز علاج الإدمان لا يُضعف منظمة بعينها، بل يُضعف المجتمع بأكمله.وهو رسالة سلبية لكل مبادرة وطنية أو إنسانية تفكر في العمل داخل السودان.فمن يحمي الشباب إن أُغلقت مراكز العلاج؟
ومن يتحمل وزر الأرواح التي قد تُزهق بسبب قرار إداري متعجل؟
إن معركة السودان ليست عسكرية فقط، بل معركة وعي وأخلاق وحماية مستقبل.
وأي قرار يقف ضد هذا المسار، هو طعنة في ظهر الوطن، مهما كانت الظروف والمبررات.



