
د.اسماعيل الحكيم ..يكتب..تحديث بيانات العملاء.. معركة أخرى على جبهة الاقتصاد
إن الظروف الاقتصادية والأمنية والتقنية التي يمر بها السودان. لا تجعل من كل قرار مصرفي إجراء إداري عادي وطبيعي ، ولا كل توجيه يصدر عن بنك السودان المركزي يمكن قراءته بمعزل عن هذا المنطلق، فإن توجيه البنك المركزي للمصارف بتحديث بيانات عملائها خلال مدة ستين يوماً، يبدو في ظاهره إجراءً مصرفياً روتينياً، لكنه في جوهره خطوة ذات أبعاد ، اقتصادية وأمنية وتقنية ورقابية، وربما استخباراتية في جانبها المتعلق بتتبع حركة الأموال ومساراتها.
إن تحديث بيانات العملاء لم يكن تصحيح لأسماء أو أرقام هواتف أو عناوين؛ وإنما هو إعادة رسم للخريطة المصرفية، وفرز للحسابات الحقيقية عن الحسابات الوهمية، وتنقية للبيئة المصرفية من الحسابات التي ظلت تتحرك في الظلام، دون أن يعرف النظام المصرفي بصورة دقيقة من يقف خلفها، ومن أين تأتي الأموال وإلى أين تذهب.
فالاقتصاد الحديث لا يمكن أن يُدار ببيانات قديمة، ولا أن تُحمى أموال المواطنين والدولة عبر سجلات فقدت دقتها بفعل الحرب والنزوح وتدمير المؤسسات ومراكز المعلومات. وما تعرض له السودان من تخريب واسع للبنية التحتية، بما في ذلك مراكز ومقار مصرفية ومعلوماتية، يجعل من تحديث البيانات ضرورة لا غني عنها ، ومن إعادة بناء قواعد المعلومات المصرفية أولوية وطنية.
فالبيانات اليوم هي رأس مال النظام الرقمي، ومن يملك البيانات الدقيقة يملك القدرة على الفهم والتحليل والحماية واتخاذ القرار.
والقرار، من زاوية اقتصادية، يفتح نافذة مهمة على حركة الأموال النشطة في السوق السوداني؛ خصوصاً تلك المرتبطة بتجارة الذهب والعملات والتحويلات والأنشطة المالية ذات التدفقات غير الطبيعية. فحين تصبح الحسابات أكثر وضوحاً، تصبح حركة الأموال أكثر قابلية للرصد والتحليل، ويضيق المجال أمام من يحاولون تحويل الجهاز المصرفي إلى ممرات خلفية للأموال مجهولة المصدر. وهي معركة أخرى لا تقل خطورة عن معركة الإنتاج: معركة تجفيف منابع الاقتصاد الموازي.
فغسيل الأموال، وتمويل الأنشطة غير المشروعة، والمضاربات المنظمة في الذهب والعملات، وتحريك الأموال عبر حسابات وهمية أو واجهة، فهذه ليست جرائم مالية ؛ إنما معاول حقيقية لهدم الاقتصاد الوطني، لأنها تستنزف العملة، وتشوّه السوق، وتضعف الثقة في الجهاز المصرفي، وتمنح الاقتصاد غير الرسمي قدرة أكبر على التمدد والابتلاع.
لذلك يصبح تحديث بيانات العملاء إحدى أدوات الفلترة الضرورية التي تمكن المصارف والجهات الرقابية من التمييز بين النشاط الطبيعي والنشاط المشبوه، وبين الحساب الذي يخدم صاحبه بصورة مشروعة والحساب الذي يتحول إلى محطة عبور للأموال.
فالحساب المصرفي ليس رقماِ مجرداً ؛ إنه ملف متكامل من المعلومات. وكلما كانت بيانات صاحب الحساب دقيقة ومحدثة، كان من الممكن حماية الحساب بصورة أفضل، واكتشاف محاولات الاختراق أو انتحال الهوية أو الاستيلاء غير المشروع على الأموال. ولذلك فإن تحديث البيانات يمثل في جانب منه إعادة تأمين للهوية المصرفية للعملاء، وإغلاقاً لبعض الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها القراصنة ومخترقو الحسابات.
وإذا كانت الحرب قد كشفت أن أمن الدولة لا يبدأ من فوهة البندقية وينتهي عند حدود الثكنة، فإنها كشفت كذلك أن الأمن الاقتصادي والمصرفي والمعلوماتي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي.
واللافت في هذا القرار أيضاً أنه يمكن أن يفتح الطريق أمام كشف شبكة الحسابات المرتبطة بالمليشيا وشركاتها وواجهاتها وداعميها، وهي شبكة ظلت لسنوات تتحرك في مساحات معقدة من النشاط المالي والتجاري. فالمعركة مع مليشيا الدعم السريع لا تنتهي بالمعركة العسكرية وحدها؛ إذ إن الأموال التي تمول الحرب، والشركات التي توفر لها الموارد، والحسابات التي تستقبل وتحول الأموال، كلها تمثل جزءاً من منظومة الحرب نفسها.
وهذه نقطة شديدة الحساسية، لأن الأموال لا تتحرك بلا أثر، والحسابات لا تتعامل في فراغ. فكل حركة مالية تترك أثراً رقمياً، وكلما أصبحت قاعدة البيانات أكثر دقة، أصبح تتبع الأنماط المالية أكثر سهولة، وأمكن بناء صورة أوضح عن شبكات التمويل والتجارة والتحويلات.
فالبلاد لا تستطيع أن تتحدث عن التحول الرقمي، والدفع الإلكتروني، والخدمات المصرفية الحديثة، والشمول المالي، وهي تحمل في قواعد بياناتها معلومات قديمة أو ناقصة أو غير موثوقة. التحول الرقمي يبدأ من هوية رقمية صحيحة، وبيانات موثوقة، وأنظمة قادرة على حماية هذه البيانات وتحليلها.
ومن ثم فإن القرار ينبغي ألا يُفهم باعتباره حملة مؤقتة تنتهي بانتهاء الستين يوماً، بل باعتباره بداية لعملية مستمرة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمصرف، وبين المصرف والجهات الرقابية، وبين النظام المالي والدولة.
والأهم أن نجاح هذه الخطوة يتطلب ألا تتحول إلى إجراء بيروقراطي عادي ، يثقل كاهل المواطن، ولكن إلى مشروع مصرفي متكامل، يستفيد من التقنيات الحديثة في التحقق من الهوية، وحماية البيانات، واكتشاف الأنشطة غير الطبيعية، مع مراعاة أوضاع المواطنين الذين شردتهم الحرب أو فقدوا مستنداتهم أو أصبح الوصول إلى فروع المصارف بالنسبة إليهم أمراً بالغ الصعوبة.
إن السودان يخوض حرباً على أكثر من جبهة، والاقتصاد واحدة من أخطر هذه الجبهات. وإذا كانت المعركة العسكرية تستهدف تحرير الأرض، فإن المعركة الاقتصادية تستهدف تحرير المال من الفوضى، والسوق من المضاربة، والجهاز المصرفي من الاختراق، والبيانات من العبث.فإن توجيه تحديث بيانات العملاء خلال ستين يوماً ينبغي أن يكون أكثر من كونه منشوراً مصرفياً .
فإنه عملية تنظيف واسعة للذاكرة المصرفية، وإعادة ترتيب لخريطة الأموال، وإغلاق لنوافذ الفوضى، وتمهيد لاقتصاد رقمي أكثر أمناً. لا سيما في بلد أنهكته الحرب، ونهبت موارده، واستنزفت عملته، وتعرضت بنيته المؤسسية والمعلوماتية للتخريب، ليصبح ضبط حركة المال جزءاً من استعادة الدولة لعافيتها.
فالاقتصاد لا يُحمى بالأمنيات، ولا تُحاصر شبكات الفساد والتخريب بالشعارات. إنها معركة بيانات، وحسابات، وأموال، ومسارات… ومن يضبط حركة المال، يمسك بأحد أهم مفاتيح استعادة الدولة لاقتصادها وسيادتها.




