
د. إسماعيل الحكيم ..يكتب.. ثمانية ملايين طفل بلا تعليم .. هم وقود الأزمات غداً .
لا ينبغي قراءة تقرير اليونيسف الأخير عن التعليم في السودان بوصفه وثيقة فنية صادرة عن منظمة دولية، ولا كأرقام تُضاف إلى أرشيف الحرب، بل يجب التعامل معه كجرس إنذار وطني، يقرع في قلب الدولة، ويكشف عن معركة أخطر وأطول أثرًا من دوي المدافع وسقوط القذائف.
أن يكون ثمانية ملايين طفل سوداني خارج المنظومة التعليمية، فذلك ليس مجرد خلل في قطاع، بل شرخ عميق في مستقبل وطن بأكمله. نحن لا نتحدث عن هامش يمكن تعويضه بسهولة، بل عن خُمس عدد السكان، ونحو 48% من إجمالي التلاميذ، أي عن جيل كامل مهدد بأن ينشأ خارج قاعات الدرس، وبعيدًا عن منصات المعرفة، ومقطوع الصلة بالقيم التربوية التي تصنع الإنسان قبل أن تصنع المهني أو الجندي.الأخطر من الرقم نفسه، هو ما وراءه.
فالتقرير يكشف أن مدرسة من كل ثلاث مدارس لم تعد صالحة للاستخدام التعليمي، بعدما تحولت إلى مقار للاجئين أو دُمّرت أو خرجت عن الخدمة. وهذا يعني أن البنية التحتية للتعليم لم تُستهدف عرضًا، بل تآكلت حتى كادت تفقد وظيفتها الجوهرية: صناعة الوعي وحماية المجتمع.
صحيح أن هناك بشرياتٍ تتوالى عن تقدم الجيش، واقتراب حسم المعركة، ومشروع العودة إلى العاصمة الخرطوم، لكن الحقيقة القاسية تقول إن بقاء هذا العدد من الأطفال خارج التعليم هو كارثة تفوق الحرب نفسها. فالحرب – مهما طالت – لها نهاية، أما ضياع جيل في مقتبل العمر، فآثاره تمتد لعقود، وتعيد إنتاج الأزمات بأشكال أشد تعقيدًا وخطورة.
إن التعليم في سنواته الأولى ليس رفاهًا يمكن تأجيله، ولا ملفًا يمكن ترحيله إلى ما بعد الاستقرار. فإذا فات الطفل قطار التربية، تلقفته الشوارع، واحتضنته الفراغات القاتلة، وتحول إلى فاقد تربوي سهل الاستقطاب، تصطاده مافيا المخدرات، وتحتضنه عصابات الإجرام، فينشأ متمردًا على القيم، غريبًا عن السلوك القويم، ومهيأً لأن يتحول – مع مرور الزمن – إلى تهديد اجتماعي وأمني يتضخم كلما تقدمت به الأيام.
وهنا تتكشف المفارقة المؤلمة:نحارب المليشيا بالسلاح، بينما نترك جبهة التعليم بلا حراسة.ننتصر في الميدان، ونخسر في المستقبل.إن أخطر ما في هذا التقرير أنه لا يتحدث عن حاضر مأزوم فقط، بل يرسم ملامح مستقبل إن تُرك دون تدخل عاجل، سيكون أكثر قسوة، وأكثر فوضوية، وأقل قابلية للإصلاح. فالأطفال الذين لا يتعلمون اليوم، هم وقود الأزمات غدًا، وهم الفجوة التي تتسلل منها الجريمة والتطرف والانحراف، مهما حسنت النوايا وتشددت القوانين.
من هنا، يتعاظم واجب الدولة، لا باعتبار التعليم قطاعًا خدميًا، بل باعتباره أمنًا قوميًّا. ويتعاظم كذلك دور المجتمع، والنخب، والمنظمات الوطنية، في التعامل مع هذه الكارثة بوصفها أولوية قصوى لا تقل أهمية عن إعادة الإعمار وبسط الاستقرار.
فلا معنى لدولة تنتصر عسكريًا، وتُهزم تربويًا. ولا قيمة لعاصمة تُستعاد، إن لم تُستعاد معها المدارس.ولا مستقبل لسودان ما بعد الحرب، إذا لم يكن التعليم حجر الأساس في مشروعه الوطني الجديد.إن تقرير اليونيسف ليس وثيقة للقراءة، بل نداء للفعل… قبل أن يكبر هذا الرقم، ويكبر معه الخطر.
Elhakeem.1973@gmail.com




