اعمدة ومقالات الرأى

د. إسماعيل الحكيم رمضان الثغور ، حين يجتمع الصوم والبأس في قلوب الرجال.

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. إسماعيل الحكيم رمضان الثغور ، حين يجتمع الصوم والبأس في قلوب الرجال.

 

إن في ليالي رمضان التي تتنزل فيها السكينة على القلوب، وتتهذب فيها الأرواح بنور الطاعة، نقف إجلالاً وإكباراً لرجالٍ رابطوا في الثغور، يجمعون بين شرف الصيام وواجب الحراسة، بين خشوع الساجد ويقظة الحارس، بين دمعة الدعاء وصلابة الموقف. إليهم… من كل أطياف أهل السودان، من كل بيتٍ تنفس القلق فصار دعاءً، ومن كل أمٍّ علّقت قلبها بين السماء والثغور، نبعث تهنئة قلبية خالصة، صادقة، لا يشوبها إلا الرجاء بأن يتقبل الله منهم الصيام والقيام والرباط.

لقد جمع الله لكم – أيها المرابطون – فضيلتين عظيمتين: فضيلة الجهاد بمعناه الواسع في حماية الأرض والعِرض وصون الكرامة، وفضيلة الصوم الذي يزكي النفوس ويصقل الإرادة. وهو اجتماع يذكّرنا بنفحات يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان في غزوة بدر، في شهر رمضان، حين كان الإيمان عدةً، واليقين زاداً، والقلوب معلّقة بوعد الله. وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فالتاريخ لا يعيد نفسه، ولكنه يوقظ فينا سننه، ويهمس في ضمائرنا أن التحولات الكبرى كثيراً ما تولد في رحم الشدائد.

رمضان ليس شهراً عادياً في منظومة الزمن؛ إنه شهر التحولات العظيمة، وموسم المكرمات الربانية، وميدان إعادة تشكيل الوعي والإرادة. فيه تنتصر النفس على شهواتها، ويتغلب المعنى على المادة، وتعلو الروح على الجسد. فإذا اجتمع صفاء الصوم مع صلابة الموقف، كانت النتيجة رجالاً تصنعهم العقيدة، وتصوغهم القيم، وتدفعهم مسؤولية التاريخ.

أيها المرابطون… إن الأمة من خلفكم قلبها واحد، وإن اختلفت ألسنتها ولهجاتها وألوانها. يجمعها في هذه اللحظة الكبرى معنى الوطن، وثوابت الانتماء، وحرمة الدم، وحق الأجيال القادمة في أن ترث أرضاً مصونة، وهويةً محفوظة، وقِيماً راسخة. إن التفاف الشعب حول جيشه ليس شعاراً يرفع، بل هو وعيٌ يتجذر، وإرادةٌ تتماسك، وعهدٌ يتجدد كل صباح.

وإلى من يظن أن الإرادة يمكن أن تُكسر، أو أن الشعوب يمكن أن تُرهَب إلى الأبد، نقول: إننا أمةٌ تعرف معنى الصبر، وتدرك سنن المدافعة، وتؤمن أن العاقبة للثبات. لسنا طلاب حرب، ولكننا حراس حق، ولسنا عشاق صراع، ولكننا أبناء كرامة. إرادتنا أقوى من محاولات الإضعاف، وعزيمة جندنا أصلب من رياح التهديد، والتفاف شعبنا حول ثوابته أرسخ من كل رهانات التفرقة.

إن المعركة في جوهرها معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة قيم قبل أن تكون معركة مواقع. وحين ينتصر الوعي، وتتماسك القيم، يصبح النصر نتيجة طبيعية لمسارٍ صحيح، وسنةً ماضية في تاريخ الشعوب. ونحن – بإذن الله – ماضون في هذا المسار، نستمد قوتنا من إيماننا، وصلابتنا من وحدتنا، وأملنا من وعد ربنا.

في هذا الشهر المبارك، ترتفع الأكف بالدعاء: اللهم تقبل من المرابطين صيامهم وقيامهم ورباطهم، واكتب لهم أجر المجاهدين والصابرين، واحفظهم بحفظك، وأيّدهم بنصرك، واجعل ما يبذلونه في ميزان حسناتهم.اللهم احقن دماء أهل السودان، واجمع كلمتهم على الحق، وأبدل خوفهم أمناً، وضعفهم قوة، وفرقتهم وحدة.

تهنئةٌ تخرج من القلب إلى القلب، وعهدٌ يتجدد بأننا – شعباً وجيشاً – على درب الكرامة سائرون، وبأن رمضان هذا العام ليس شهراً للصبر فحسب، بل موسماً للنصر، وبشارة فجرٍ يلوح في الأفق. باذن الله وربنا يتقبل من الجميع.

Elhakeem.1973@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى