
تقرير – الرسالة نيوز
تشهد ولاية نهر النيل، التي كانت تُعرف تاريخيًا باستقرارها النسبي وسط تقلبات السودان السياسية والعسكرية، تحولًا دراماتيكيًا في الأسابيع الأخيرة. جرائم النهب المسلح والتفلتات الأمنية أصبحت ظاهرة يومية، تمتد من المدن الكبرى مثل عطبرة والدامر وشندي والمتمة، إلى القرى الزراعية والمناطق النائية. هذا التصعيد لم يعد مجرد حوادث عرضية، بل يشير إلى نمط إجرامي منظم يهدد الأمن المجتمعي، ويقوض الثقة في الدولة، ويفتح الباب أمام فوضى قد تكون مدمرة إذا لم تُحتوَ فورًا.
وما يثير القلق أكثر هو تطور أساليب هذه الجرائم، حيث أصبحت أكثر جرأة وتنظيمًا. الجناة يستخدمون أسلحة نارية ثقيلة مثل الكلاشينكوف، ويشنون هجمات في أوقات حساسة مثل منتصف الليل أو عقب صلاة الفجر، داخل الأحياء السكنية نفسها. هذا الوضع يثير تساؤلات حادة حول مدى فعالية الجهاز الأمني، وكفاءة الانتشار الليلي، وخاصة آليات السيطرة على انتشار السلاح غير الشرعي في منطقة ليست جبهة قتالية.
عطبرة والدامر: قلب النهب المسلح في الأحياء السكنية
وفي مدينة عطبرة، التي تعد مركزًا تجاريًا حيويًا، تحولت أحياء الشرقي ومربعاتها إلى مسرح لعمليات نهب مسلحة متكررة. شهود عيان ومواطنون وثّقوا هجمات تنفذها مجموعات صغيرة تستقل دراجات نارية، يرتدي بعضهم زيًا عسكريًا مزيفًا أو حقيقيًا، محملين بأسلحة آلية حديثة. استهدفت هذه العصابات أفران الخبز، البقالات الصغيرة، المحلات التجارية، وحتى المارة في الشوارع الرئيسية.
ووصل الأمر إلى ذروة الخطورة عندما أطلق مسلحون النار مباشرة على صاحب محل يقاوم النهب، مما أثار حالة من الرعب العام. كما سُجلت حوادث اقتحام منازل سكنية ليلًا، حيث تقفز مجموعات من 3 إلى 4 أشخاص فوق الجدران، تسرق الهواتف المحمولة، النقود، والمقتنيات الثمينة، في غياب تام للدوريات الأمنية المنتظمة.
أما سوق عطبرة الكبير، فقد غرق في فوضى يومية، مع شكاوى متزايدة من التجار يطالبون بتدخل عاجل لاستعادة النظام وحماية الاقتصاد المحلي، الذي يعتمد على هذا السوق بشكل أساسي. وفي مدينة الدامر، تكررت السيناريوهات نفسها، مع هجمات مشابهة أدت إلى إغلاق بعض المحلات خوفًا من التصعيد، مما يعمق الأزمة الاقتصادية في المنطقة.
شندي والمتمة: انتشار الجريمة نحو المناطق الهادئة
وفي تطور يُعد إنذارًا أمنيًا حقيقيًا، امتدت الجرائم إلى مدن كانت تعرف بالهدوء مثل شندي والمتمة. شندي، التي لم تشهد تاريخيًا مثل هذه الانتشارات الإجرامية، سجلت حادثة صادمة عقب صلاة الفجر مباشرة: اقتحام مسلحين يحملون كلاشينكوف منزل مواطن، تهديده بالقتل، ثم انتقالهم إلى منزل مجاور في نفس الحي. هذا الاطمئنان الواضح لدى الجناة يعكس غياب الردع الفوري والمراقبة الفعالة. ومن جهة أخرى، أعلنت شرطة مباحث شندي عن نجاح جزئي في تفكيك شبكة إجرامية، مع ضبط متهمين في سرقات متعددة. هذا الإنجاز يشير إلى وجود جهود أمنية، لكنه يظل غير كافٍ أمام حجم التحدي، خاصة مع استمرار الهجمات في المناطق الزراعية المجاورة للمتمة.
الوجود الأجنبي غير المنظم: قنبلة موقوتة
ولم تقتصر الأزمة على الجرائم المباشرة، بل برز دور الوجود الأجنبي غير القانوني كعامل ضغط إضافي. في مناطق مثل قوزبرة، الشبطاب، الحميراب، والشارباب بمحلية المتمة، تتزايد الشكاوى من أعداد كبيرة من العمالة الوافدة التي تعمل دون تصاريح رسمية أو رقابة أمنية. يقيمون في الأسواق، الحقول الزراعية، وحتى مواقع الكمائن غير الرسمية، مع حركة تنقل حرة بين المدن والقرى. ويحذر قانونيون ونشطاء مجتمعيون من أن هذه البيئة غير المنظمة قد تتحول إلى حاضنة للجريمة المنظمة، أو حتى خلايا إجرامية مترابطة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تدفع البعض نحو الاستغلال غير الأخلاقي.
السلاح المنفلت داخل المدن: التهديد الأكبر والأعمق
الخطر الأشد خطورة يكمن في انتشار السلاح داخل الأحياء السكنية، سواء لعناصر نظامية أو مجموعات مشتركة. وسُجلت اشتباكات مسلحة أدت إلى إصابات، تدمير منازل، ومقتل مواطنين، كما في منطقة عقيدة الدوم. يتساءل السكان بحدة: ما الذي يبرر وجود قوات مسلحة في ولاية آمنة بعيدة عن الجبهات؟.. ويشير مراقبون أمنيون إلى أن تطبيع السلاح في المدن يقوض هيبة الدولة، يحول الخلافات اليومية إلى مذابح، ويشجع على تفشي الجريمة. هذا الواقع يعيد طرح قضية نزع السلاح المدني كأولوية قصوى.
أزمات متشابكة وسبل الحل الملحة
تتقاطع في نهر النيل ثلاث أزمات رئيسية وهي
– ضعف الدوريات الليلية وعدم كفاية الانتشار الأمني
– انتشار السلاح غير الشرعي داخل المدن.
– غياب الرقابة على الوجود الأجنبي والأنشطة غير المنظمة.
ورغم دعوات المواطنين لدوريات تطوعية شعبية، يؤكد خبراء أن الحلول يجب أن تكون رسمية وشاملة، تشمل:
– حسم ملف السلاح داخل المدن بشكل نهائي.
– تعزيز الانتشار الأمني الليلي بدوريات مكثفة وتكنولوجيا مراقبة.
– تنظيم قانوني وأمني للوجود الأجنبي مع حملات تفتيش دورية.
– محاسبة شفافة لأي تورط نظامي في التجاوزات.
ما يحدث في نهر النيل ليس أحداثًا معزولة، بل إشارات إلى تآكل الأمان في إحدى أكثر ولايات السودان استقرارًا سابقًا. دون إجراءات حاسمة وعاجلة، قد تنتقل الولاية من القلق إلى الفوضى الشاملة، بكلفة إنسانية واقتصادية هائلة. الأمن حق أساسي للمواطن، ومسؤولية الدولة لا تقبل التسويف.




