
عذرا القراء الكرام الذين يتابعون بعض ما اكتب، فلقد تاخر هذا المقال الثاني في هذه السلسلة التي مهدت لها بمقال افتتاحي، لعله فتح شهية كثيرين للقراءة، إلا أن ظروفا طارئة حالت دوني والقلم طوال الأسبوع الماضي، وبرغم أن التوقف كان دون إرادتي لكنه فتح لي أبواب مراجعات مهمة أوحي لي بها بعض التامل، وبعض ما وردني من اسئلة واستفسارات.
اول ملاحظة وردتني من صديق عزيز يعرف طول وعرض وعمق علاقاتي مع السودانيين الذين عملوا في مصر، والمصريين الذين عملوا في السودان، فاستغرب هذا الصديق ان اذكر اربعة فقط من هذه القائمة الطويلة، ثلاثة مصريين، وسوداني واحد فقط، فقلت لصديقي هذا أنني ذكرت في المقال ان ملف العلاقات السودانية المصرية تعاقب عليه خيرة ابناء شعب وادي النيل، ولكن هناك قلة تفوقت علي نفسها قبل أن تتفوق علي زملائها، ولعل وجودهم في ظروف استثنائية ساعدهم علي إبراز مقدراتهم، فذكرت من المصريين السابقين الذين اتيحت لهم الظروف الاستثنائية السفير الدكتور حسن جاد الحق والمستشار اللواء حاتم باشات، ومعلوم أن جاد الحق وباشات عاصرا اسوأ مرحلة مرت علي العلاقات السودانية المصرية في أعقاب محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وجاد الحق كما كان يقول، يكفيه انه ترك الباب موارب وكان الراجح أن يغلق، اما باشات فيكفي ان الخرطوم استقبلته بالحجارة وودعته بالزهور والرياحين، ثم جاءت الطامة الكبري، ووجدت الرجل الاستثنائي السفير هاني صلاح الذي اصبح رقما لا تخطئه عين في ملف العلاقات السودانية المصرية،
اما في الجانب السوداني، فلا أظن ان احدا يمكن ان يجرؤ ويضع اسمه بجوار اسم السفير الوزير احمد عبد الحليم له الرحمة والمغفرة، واذكر بعد وفاة عم احمد رشحت أخبار عن ترشيح صديقه ودفعته السيد مهدي مصطفي الهادي سفيرا للسودان في مصر، فلما سالت مهدي عن صحة الخبر قال لي (أنا مجنون أضع نفسي في موضع زي ده، والله ثلاثة ما يملوا محل احمد)
عندما شرعت في كتابة المقال الأول كان الرأي عندي أن أبدا المراجعة من بداية عهدي في مصر قبل نصف قرن من الزمان، وهو العهد الأزهر والأنضر في علاقات البلدين والشعبين الشقيقين، لكنني وجدت أن المشهد سيكون مبتورا إن لم نعد إلى ما قبل ذلك، وبما أن المستقبل عندي اهم من الماضي، اكتفيت بالماضي القريب الذي يبدا بغزو محمد علي باشا للسودان انطلاقا من مصر عام ١٨٢١م، وكما هو معلوم فإنه لم تكن هناك دولة تحمل اسم السودان بتعريفه الحالي، او حتي السابق قبل انفصال الجنوب، ولم يكن المصريون يحكمون بلدهم، ويتحكمون في قراراتها، لذلك فان اي قرار بشأن السودان والسودانيين يصدر عن مصر لا يسأل عنه اهل مصر إلا بعد ثورة يوليو ١٩٥٢م، ومعلوم أن أول قرار اتخذته ثورة يوليو المصرية انها مع ما يختاره اهل السودان، الاستقلال او الوحدة مع مصر، ولعل ذلك يفسر قيادة الاتحاديين السودانيين لمشروع الاستقلال.من الملاحظات المهمة في مسيرة العلاقات السودانية المصرية والتي تحتاج إلى وقفات عند مراجعة مسيرة علاقات البلدين ان كثيرا مما يحسبه السودانيون علي مصر لم يكن فعلا مصريا خالصا، مثل اعتقال الزبير باشا في مصر، وحملة استعادة الاستعمار الثنائي للسودان، وغزو دارفور عام ١٩١٦م، وخذلان الكتيبة المصرية للضباط السودانيين عام ١٩٢٤م،
ومن المفارقات الغريبة في مشاهد وشواهد التاريخ بين مصر والسودان ان احساس الزعماء والرؤساء في البلدين بعمق العلاقات الشعبية والرسمية اعلي بكثير من احساس وشعور الذين هم دونهم، ويتجلي ذلك في ان اكثر الأزمات تعقيدا يأتي حلها من عل، وهذه الحلول كثيرا ما تتعطل في السلالم الادني والغرف الخلفية، ومثلما ترجح كفة مصر بعلو احساس زعمائها وقادتها بالسودان، ترجح كفتها ايضا في التعطيل الادني لما يصدر من السلطات العليا، ولعل الناس يذكرون عندما حشد السيد عبد الله بك خليل الجيوش في حلايب عند انفجار الأزمة الأول في خمسينيات القرن الماضي، فلما ابلغ الناس الزعيم جمال عبد الناصر بذلك ليرد علي الحشد بحشد مثله، قال لهم (ان شاء الله يدخلوا قصر عابدين.. مش هنحارب السودان) وذات الرد قاله الرئيس حسني مبارك ردا علي الذين قالوا له ان الجيش جاهز لضرب الخرطوم بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في أديس أبابا عام ١٩٩٥م.
نواصل باذن الله تعالي




