اعمدة ومقالات الرأى

محمد عثمان الرضي..يكتب..دينكاوي والجوازات.. حين تتقدم الخدمة وتتأخر المعلومة

الخرطوم: الرسالة نيوز

محمد عثمان الرضي..يكتب..دينكاوي والجوازات.. حين تتقدم الخدمة وتتأخر المعلومة

 

الجواز ليس ورقة تُختم وتُسلَّم؛ إنه مفتاح المواطن إلى السفر والعمل والعلاج والدراسة، وأحياناً إلى حياة كاملة خارج حدود البلاد. ولهذا فإن أي حديث عن الجوازات لا ينبغي أن يتوقف عند التقنية والإجراءات، بل يمتد بالضرورة إلى السؤال الأهم: كيف تصل المعلومة إلى المواطن، ومن يشرح له ما الذي تغير، وما الذي ينبغي أن يفعله؟الفريق شرطة حقوقي عثمان محمد الحسن دينكاوي، رئيس هيئة الجوازات والسجل المدني، ليس اسماً جديداً على هذا الملف؛ فقد ظهر في مناسبات إعلامية مختلفة للحديث عن تطوير الجواز السوداني وتحديث أنظمته، كما تحدث في مارس 2026 عن تحديث أنظمة الجوازات وقاعدة البيانات، وأعلنت الجهات الرسمية خطوات مرتبطة بتطوير الوثائق والخدمات.لكن المفارقة التي تستحق التوقف ليست في غياب التطوير، وإنما في أن المواطن قد يعرف أن هناك تطويراً، دون أن يعرف دائماً بالقدر الكافي كيف ينعكس هذا التطوير على معاملته اليومية. وهنا تصبح المعلومة جزءاً من الخدمة، لا ملحقاً إعلامياً بها. خلال الفترة الأخيرة، يبدو حضور الفريق دينكاوي في بعض الملفات الإعلامية أقل مما كان عليه في فترات سابقة، كما أن الوصول المباشر إليه لم يعد، في بعض الحالات، بالسهولة التي كان الصحفيون يعرفونها من قبل. وهذه ليست تهمة، لكنها ملاحظة تستحق الإجابة: هل تحتاج قيادة هيئة بهذا الحجم إلى مسافة إعلامية أكبر، أم إلى قنوات اتصال أكثر انتظاماً؟ الهيئة نفسها تتحدث عن تبسيط الإجراءات والتحول الرقمي، بل أطلقت منصة للحجز الإلكتروني تتضمن مكاتب داخل السودان وخارجه، وتتيح كذلك تحديد المكتب المعني بالشكوى. وهذا تطور مهم، لكنه يفتح سؤالاً أكثر إلحاحاً: إذا كانت الخدمة تتجه نحو الرقمنة، فهل تسير المعلومة عنها بالسرعة نفسها؟

فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة أن هناك حجزاً إلكترونياً؛ بل يحتاج إلى معرفة ما يترتب على الحجز، وماذا يفعل عند تعثره، وكيف يتابع معاملته، ومن أين يحصل على الإجابة الرسمية عندما لا تسير الإجراءات كما هو متوقع. المنصة قد تحجز الموعد، لكن المعلومة هي التي تحجز مساحة الثقة. والأمر نفسه ينطبق على التطوير التقني للجواز. فقد أعلنت الجهات الرسمية في مارس 2026 عن تسجيل الجواز السوداني لدى المنظمة الدولية للطيران المدني، وتحدث دينكاوي عن الإجراءات الفنية والإدارية والمعايير الدولية. لكن الإنجاز التقني، مهما كانت أهميته، يحتاج إلى خطاب إعلامي يترجمه إلى لغة المواطن: ماذا يعني ذلك له تحديداً؟ وما الذي تغير في يده وفي سفره ومعاملته هنا تحديداً يصبح حضور رئيس الهيئة أمام الإعلام أكثر من مجرد ظهور؛ إنه فرصة لاختصار الطريق بين المؤسسة والجمهور. والصحفي الذي يسأل عن الجوازات لا يبحث بالضرورة عن تصريح جديد، وإنما يحاول في كثير من الأحيان الحصول على إجابة لسؤال ظل يدور في طوابير المواطنين ومكاتب الخدمة ومجموعات التواصل.وقد حاولت شخصياً الوصول إلى الفريق دينكاوي في أكثر من مناسبة للحديث حول ملف الجوازات، ولم تكن فرص اللقاء متاحة بالسهولة نفسها التي كانت تبدو عليها في السابق. ولا أطرح ذلك باعتباره خصومة شخصية؛ فالصحافة لا يفترض أن تقيس المؤسسة بمدى سهولة الوصول إلى مسؤول بعينه، وإنما بمدى سهولة الوصول إلى المعلومة الرسمية. وهنا ربما تكمن النقطة الأكثر حساسية: إذا تعذر الوصول إلى رئيس الهيئة، فمن هي الجهة التي يستطيع الصحفي الرجوع إليها؟ وإذا تغير الإجراء، أين يجد المواطن الشرح الرسمي؟ وإذا ظهرت مشكلة عامة، من يملك الإجابة التي تنهي تضارب المعلومات؟ هذه أسئلة تخص المؤسسة قبل أن تخص الأشخاص. وليس من الدقة تحميل هيئة الجوازات وحدها كل مشكلة تواجه المواطن؛ فالإجراء قد تتداخل فيه اعتبارات فنية وإدارية وأمنية ولوجستية، وقد تكون بعض المشكلات مرتبطة بجهات أخرى. لكن هذا تحديداً يجعل التواصل المؤسسي أكثر أهمية، لأن غياب المعلومة يترك المواطن أمام روايات متعددة لا يعرف أيها يمثل الموقف الرسمي.

ومن اللافت أن الخطاب الرسمي نفسه يربط عمل الهيئة بتسهيل الإجراءات وخدمة المواطن؛ ففي زيارة رئيس الوزراء لإدارتي الجوازات والسجل المدني ببورتسودان في نوفمبر 2025، وُجّه بتسهيل وتبسيط الإجراءات، وأكد دينكاوي الحرص على رفع مستوى الخدمات. وعندما يكون تبسيط الإجراءات هدفاً معلناً، فإن تبسيط المعلومة ينبغي أن يكون جزءاً من النقاش حول تحقيق هذا الهدف. لذلك فإن السؤال إلى دينكاوي ليس: لماذا لا تظهر كثيراً؟ بل السؤال الأهم: هل تملك الهيئة اليوم نظاماً إعلامياً يجعل المواطن يعرف المعلومة في وقتها، سواء تحدث رئيس الهيئة أم لم يتحدث؟ فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في إيصال رسالتها تظل معرضة لفجوة اتصال كلما غاب ذلك الشخص عن المشهد. لا أحد يطالب رئيس الهيئة بأن يتحول إلى متحدث إعلامي دائم، ولا بأن تكون الكاميرات جزءاً من جدول أعماله اليومي. المطلوب، في تقديري، شيء أكثر بساطة وأكثر صرامة: أن تكون المعلومة الرسمية حاضرة بانتظام، وأن تكون الإجابة أسرع من الشائعة، والتوضيح أقرب إلى المواطن من الاجتهادات التي تملأ فراغ المعلومات. الفريق دينكاوي يستطيع أن يقلل ظهوره أمام الكاميرات، وهذا حق إداري يمكن تفهمه؛ لكن ملف الجوازات لا يستطيع أن يقلل وضوحه أمام المواطن. فحين تتقدم التقنية خطوة، ثم تتأخر المعلومة خطوتين، لا تكون المشكلة في غياب التطوير، وإنما في أن المواطن لم تصله ثماره المعرفية بالسرعة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى