
محمدعثمان الرضي..يكتب ..باخرة عُمان بين قرار سيادي وضغط إقليمي… هل اشتعلت أزمة صامتة بين الخرطوم والقاهرة؟
في تطور لافت يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية، تفجّرت أزمة جديدة بين السودان ومصر على خلفية قرار إيقاف عمل الباخرة “عُمان”.القرار صدر من وزير النقل السوداني في توقيت بالغ الحساسية، تزامنًا مع موسم نقل الحجاج إلى الأراضي المقدسة. الباخرة “عُمان” تُعد من الوسائط البحرية المهمة في نقل الركاب بين ميناء سواكن وميناء جدة. أهميتها تتضاعف خلال موسم الحج، حيث تعتمد عليها أعداد كبيرة من الحجاج السودانيين. القرار السوداني بإيقافها جاء استنادًا إلى لوائح داخلية تتعلق بالجوانب الفنية والتنظيمية. غير أن توقيت القرار أثار الكثير من علامات الاستفهام داخل الأوساط السياسية والاقتصادية.
المفاجأة الكبرى تمثلت في دخول وزير النقل المصري الفريق مهندس كامل عبدالهادي على خط الأزمة. حيث وجّه خطابًا رسميًا إلى نظيره السوداني مطالبًا باستثناء الباخرة والسماح لها بمواصلة العمل.التدخل المصري لم يكن عابرًا، بل حمل طابعًا رسميًا مباشرًا، ما يعكس حجم الاهتمام بالقضية.هذا التحرك فتح الباب واسعًا للتساؤل حول طبيعة العلاقة التي تربط الباخرة بالجانب المصري. مراقبون رأوا أن الخطاب المصري يشير إلى وجود ارتباطات أو مصالح تتجاوز الجانب التجاري البحت.
في المقابل، تجاهل وزير النقل السوداني تلك المطالب، متمسكًا بتطبيق اللوائح الداخلية. هذا التجاهل ساهم في تصعيد الموقف وخلق حالة من التوتر غير المعلن بين القاهرة والخرطوم. الأزمة أخذت طابعًا دبلوماسيًا مكتومًا، رغم غياب التصريحات الرسمية التصعيدية من الطرفين. شركة كنزي الدولية للملاحة، الوكيل للباخرة، وجدت نفسها في قلب هذه العاصفة. حيث تكبدت خسائر مالية كبيرة نتيجة توقف نشاط الباخرة في ذروة الموسم. التقديرات الأولية تشير إلى أن الخسائر تجاوزت حاجز المليون دولار.
وهو رقم يعكس حجم الضرر الذي لحق بالشركة جراء القرار المفاجئ. إدارة الرقابة البحرية التابعة لهيئة الموانئ البحرية تُعد الجهة الفنية المختصة بمنح التراخيص. وهي المسؤولة عن تقييم مدى صلاحية البواخر للعمل وفق المعايير المعتمدة. لكن يبقى السؤال: هل كانت هناك أسباب فنية حقيقية تستدعي الإيقاف في هذا التوقيت تحديدًا؟ أم أن القرار يحمل أبعادًا أخرى غير معلنة، قد تكون سياسية أو تنظيمية؟ تزامن الإيقاف مع موسم الحج يزيد من تعقيد المشهد ويضع القرار تحت مجهر النقد.
كما أن تدخل وزير النقل المصري يعكس أن القضية لم تعد شأنًا داخليًا سودانيًا خالصًا. في ظل هذه المعطيات، تبقى الأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات، بين احتواء هادئ أو تصعيد غير متوقع. من حق شركة كنزي للملاحة، بصفتها وكيل الباخرة، الإطلاع الكامل على اللوائح الداخلية التي استند إليها قرار الإيقاف ومعرفة الأسباب الحقيقية وراء ذلك. كما يظل من حقها القانوني المطالبة بتعويض عادل يتناسب مع حجم الخسائر التي تكبدتها نتيجة هذا القرار المفاجئ.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن القاهرة ظلت تمتلك مواقف مؤثرة وداعمة تجاه السودان، خاصة في معركة الكرامة.وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول ضرورة مراعاة تلك المواقف في إدارة مثل هذه الملفات الحساسة بما يحفظ التوازن في العلاقات الثنائية. في الوقت الذي تنشغل فيه البلاد بحسم معركة الكرامة ضد مليشيا الدعم السريع، يذهب وزير النقل السوداني إلى فتح جبهة جانبية تبدو انصرافية، لا تحمل قيمة استراتيجية ولا تعكس أولويات المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد.




