
أسامة العوض يكتب ..الســـــــــــــودان..ما بين مطرق العسكرية وسندان المدنية ..إلى متي ؟
تجربتان مرتان بالسودان في عوالم السياسة بعد الاستقلال، يجب التوقف عندهما، وهما تجربة انتفاضة أبريل التي قامت بها نقابات عمال السودان والتجربة الأخرى هي ثورة ديسمبر وعمودها الفقري هو مايسمى بتجمع المهنيين أو يمكن القول بأنه كيان أشبه بالنقابية المهنية تكويناً لتضع التجربتين سؤالا مهما هل قيادة المهنيين والنقابيين للتغيير والتحول المدني نتاج ضعف القوى السياسية ام انعدام ثقة الشارع في الأحزاب؟هذا السؤال في حجمه واستفهامه يمثل أطروحة العمل السياسي السوداني .
هاتين التجربتين لجأت للبدائل مثل النقابات و المهنيين والقبائل وحتى الطرق الدينية الصوفية ، مع ضرورة مراجعة احصائيات الانتخابات لعدد من السنوات الماضية لمعرفة نسبة مشاركة الشعب فيها لتقرير درجة الالتزام والعزوف و أهمية التفكير في بدائل وطنية بخلاف الأحزاب تصبح سنداً للدولة ورقيب وجبهة ضغط لاجهزتها .الوضع الراهن لا يبشر بأي مرحلة مدنية انتقالية ، حتى ولو بالكاد جهد المقلين ، بسبب افتقادنا لأحزاب فاعلة لها القدرة على تغيير الواقع السياسي المرير .
فكيف تتحقق هذه المدنية وهي تطلعات شعب ولكن لا يعرف لها مساراً ممهداً ؟ فالمسألة ليست شعارات وابواق وهتافات وأناشيد انفعالية ، تخدر كيان الشعب .المسألة وضوح رؤية وترتيب من قبل فاعلين لهم من الكفاءة والإدراك ما يغير معالم الطريق نحو هذه المدنية ، أحزاب سياسية مدركة لدورها وبرنامجها .
لقد تلاحظ في ما مضى من تاريخنا السياسي، أن أولئك المدنيين الذين فشلوا في تأسيس أحزاب تطلع بدورها أنهم يرهنون أنفسهم إلى البندقية ، نعم قوة السلاح كوسيلة لتوصيل أصواتهم ، ولطرح موقفهم أو قضيتهم ، وهذا سلاح العاجز ومن أكبر العيوب الموجودة الآن بكل تأكيد ، ويرمون العسكر بأنهم يستولون على السلطة .
ما أنت ايضا استعملت السلاح وهو سلاح التمرد للوصول إلى السلطة ،، فلماذا يأتي اللوم على العسكر ؟ الرجوع الى التاريخ أفضل وسيلة لمعرفة حقائق الأشياء ، وفرزها علينا فقط بالتدبر والتفحص جيداً في تقديم إحصائية رقمية كماً ونوعاً عن كيفية إنشاء وتأسيس الحركات المسلحة وتلك التي تسمي نفسها حركات ثورية مطلبية ، في حمل السلاح وتقديم نفسها بالقوة الباطشة على المجتمع. على اي سلطة حكم .
الآن بأنفسهم يسمون صنيعهم ونتاج عملهم بمسمى المليشيات، يخدعون أنفسهم قبل أن يخدعوا شعبهم ، وهي صنيع هؤلاء المدنيين لا تحتاج لكبير عناء أو اجتهاد عقلي ، لو تدبرنا فقط الاسماء التي تقف وراء كل مليشيا لفضح أمرهم وكشف مستورهم
هؤلاء عندما ضاقت بهم وسيعة صناعة أحزاب سياسية مقنعة لجأوا لقوة السلاح .الأمثلة موجودة ومتوفرة بكثرة وبالاسماء أمام كل حركة مسلحة أو مليشيا كما يسمونها .هذا الجيش لم تتمرد عليه أي وحدة عسكرية من داخله وتقوم بحمل السلاح في سلطة قيادته ، بل كل من تمرد هو من خارج حرمه ، ولا ينتمي له ، والاسماء تحدث نفسها ، هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين .بالتالي تشخيص المشكلة بكل حقائقها ومراراتها هي تمثل كل الحل ، لا نصفه ، لأن معرفة الداء تستوجب الدواء الناجع .اخيرا في القول !
هذه المدنية لها رجالها الذين يمكن أن يخططوا لها ويعملوا من أجلها عبر الفكرة والحجة ورجاحة العقل ، أما ما تعج بهم الساحة الآن ، ونشهده من تجاذبات وأباطيل وأقاويل ، هؤلاء ليسوا برجال في حرم صناعة المدنية ، فقط هم طلاب سلطة ومحاصصة وتوزيع ادوار يتداولونها فيما بينهم ، وتجدهم هم الغلبة والاكثرية في تغيير مواقعهم حسب المصلحة الشخصية لا الوطنية .الآن تيارهم ممتد من حمدوك وجوقته لغاية اخر ناشط سياسي ، ولم ولن يصنعوا لنا مدنية دولة مهما طال الزمن او قصر .ما السبب ؟؟
من يرهن فكرته للخارج دعماً مالياً وسنداً فكرياً لن يصنع لنا أي مدنية ، هؤلاء جميعهم عملوا مع حكومة البشير تحت رعايتها واكلوا وشربوا ونهلوا من كفي يديها ، إن كان من الحزبين الكبيرين أو حتى هوام الأحزاب الصغيرة ، صاحبة الفتات وجميعهم ناموا على عسل السلطة ودغدغتها لهم بالمال، دون أن يتفوهوا بكلمة لا ، أو حتى بغم ساي .
عندما حضرت الثورة استيقظوا جميعهم فقط من أجل تغيير مواقفهم السياسية والاستعداد للرحيل والتبديل ، ومن حارب فيهم حكومة البشير لم يلجأ للحوار أو التفاوض أو التواصل ، بل لجأ إلى البندقية كأسهل وسيلة متاحة للضغط ، للوصول إلى سلطة الحكم .كل ذلك محفوظ في اضابير الدولة، هكذا هم غلبة الموجودين بالساحة السياسية .
اخر القول كلمة وهي أن كل الانقلابات التي شهدها السودان كان من خلفها جوقة المدعين المدنيين ، راجعوها والتاريخ يتوسد الارقام والأحداث .التغيير والتحول المدني يأتي من خلال آخرين لم تتاح لهم فرصة الظهور حتى الآن ، ولكنها حتماً ستأتي .تغيير الوجوه والفكرة هي بداية معالم التغيير الحقيقي لسودان فعلا يسع الجميع .




