
محمد عثمان الرضي..يكتب..الرياض… دفء اللقاءات وثراء التجربة الأولى
هنالك محطات وشواهد ومشاهد جديرة بالتوقف عند زيارتي للعاصمة السعودية الرياض، تلك الزيارة التي جاءت مختلفة بكل تفاصيلها، إذ شكّلت أول لقاء مباشر لي مع هذه المدينة النابضة بالحياة.في السابق، كانت زياراتي مقتصرة على الحرمين الشريفين، حيث لا أتجاوز مكة المكرمة والمدينة المنورة، وذلك بغرض أداء مناسك العمرة، دون أن تمتد رحلتي إلى مدن أخرى داخل المملكة. مجتمع الرياض يتميز بترابط اجتماعي لافت، فعلى الرغم من ضغوط العمل القاسية التي قد تعيق التواصل المستمر، إلا أن الإصرار على صلة الأرحام والتلاقي يظل حاضرًا بقوة في سلوك الناس.
يفرح أهل الرياض بقدوم الضيوف، ويستبشرون بهم خيرًا، ويحرصون على إكرامهم بكل ما أوتوا من جهد، في مشهد يعكس أصالة القيم وعمق الموروث الاجتماعي.ومن بين هؤلاء، تبرز شخصيات تدخل القلب دون استئذان، وتفرض حضورها بما تتحلى به من رقي في التعامل وسمو في الأخلاق.
استوقفتني كثيرًا شخصية الشاب محمود أبومازن، الذي يجد متعته الحقيقية في خدمة الضيوف، ويغمره شعور صادق بالسعادة كلما علم بوصول زائر إلى الرياض، فيسارع بقلبه قبل إمكانياته لنيل شرف استقباله. استطاع محمود أبومازن أن يحتويني بصدق مشاعره وكرم أخلاقه، فحاز على محبتي وتقديري خلال فترة وجيزة، وأصبح بمثابة الدينمو المحرك لتنقلاتي وتحركاتي داخل المدينة.
كما التقيت بالشاب محمد علي صالح، المعروف بـ”الفنجري”، صاحب أحد أكبر المقاهي في سوق المعذر بالرياض، والذي يستقبلك بابتسامة صادقة وحفاوة بالغة، تجعلك تشعر وكأنك تعرفه منذ سنوات طويلة. ويتميّز “الفنجري” كذلك بوضوح مواقفه، فهو من الداعمين والمحبين لشخصية إبراهيم دنيا، رئيس حركة تحرير شرق السودان، ويدافع عنه بقناعة راسخة نابعة من إيمانه بالقضية التي يحملها.
وعلى صعيد الإعلام، تبرز منصة “بجانا” كواحدة من المنصات الرائدة، التي استطاعت أن تفرض نفسها بقوة، محققة انتشارًا واسعًا ومتابعة ملحوظة بفضل جهود القائمين عليها. ويقف خلف هذه المنصة كوكبة من المبدعين، في مقدمتهم الأستاذ عثمان جور، المقدم المتميز، إلى جانب المصور الموهوب عثمان قدبو، في تناغم مهني يعكس روح الفريق الواحد.
كما لفتت انتباهي تجربة رابطة أبناء منطقة ود شريفي بالمملكة العربية السعودية، والتي تُعد نموذجًا مشرفًا للعمل الطوعي المنظم. هؤلاء الشباب قدموا صورة مضيئة للعطاء، حيث تفرغوا لخدمة أهلهم بإخلاص، معتمدين على إمكانياتهم الذاتية، في تجسيد حي لمعاني الانتماء والتكافل.
وتبقى هذه النماذج مصدر إلهام حقيقي، تستحق أن يُحتذى بها، وأن تُروى قصصها، لما تحمله من قيم نبيلة تعزز روح المجتمع وتدفع نحو المزيد من التماسك والتراحم.ولم تكن الرياض مجرد مدينة عابرة في هذه الرحلة، بل بدت لي كلوحة إنسانية متكاملة، تتداخل فيها العلاقات الاجتماعية مع تفاصيل الحياة اليومية في تناغم لافت.
كما أن تنوع الثقافات والخلفيات داخل المجتمع منح المدينة طابعًا خاصًا، حيث تجد مزيجًا من العادات والتقاليد التي تذوب جميعها في بوتقة الاحترام المتبادل. ولمست خلال زيارتي حرص الكثيرين على الحفاظ على الروابط الإنسانية رغم مشاغل الحياة، وهو ما يعكس وعيًا عميقًا بقيمة الإنسان في حياة الإنسان.
هذه التجربة أكدت لي أن المدن لا تُقاس فقط بعمرانها واتساعها، بل تُقاس قبل ذلك بإنسانها، وبما يحمله من قيم ومبادئ وأخلاق. وعليه، فإن زيارتي الأولى للرياض ستظل عالقة في الذاكرة، ليس فقط لأنها الأولى، بل لأنها كانت زاخرة بالمواقف الإنسانية الصادقة التي يصعب نسيانها.




