
عقب نشري لمقال الأمس المتعلق بحظر استخراج جواز سفري بقرار صادر من نيابة المعلوماتية، على خلفية إجراءات قانونية تعود إلى عام 2018، كنت أظن أن ما أتعرض له حالة فردية، أو خطأ إداري عابر يمكن تجاوزه بالشرح والمتابعة.
غير أن الحقيقة سرعان ما كشفت عن وجه أكثر قتامة، إذ تبيّن أنني لست استثناءً، بل مجرد رقم في قائمة طويلة تضم مئات المواطنين المحظورين بمختلف أشكال الحظر، ومن شتى شرائح المجتمع السوداني، في مشهد يشي بأن الأزمة ممنهجة لا طارئة.
الأدهى من ذلك أن دائرة الحظر لم تستثنِ حتى الأطفال، بل شملت رضّعاً لم يتم فطامهم بعد، أطفالاً لم يطلبوا جوازاً ولم يسافروا، لكنهم وُضعوا مبكراً في مواجهة دولة قررت أن تعاقب مواطنيها منذ لحظة الميلاد.
الإدارة العامة لشرطة الجوازات والهجرة، بقيادة اللواء شرطة عبدالمحمود العوض، قامت بتحرير خطاب رسمي إلى نيابة المعلوماتية بغرض البت في البلاغ المفتوح في مواجهتي، وتم إرسال الخطاب عبر الشبكة الرسمية، وبالفعل استلمته النيابة، في إجراء يُحسب للإدارة من حيث الشكل.
إلا أن ما تلا ذلك كشف حجم الاختلال المؤسسي، فعلى الرغم من توجيهات اللواء عبدالمحمود الواضحة بمنحي صورة من الخطاب لمتابعة الإجراءات، امتنعت الجهة المختصة عن تسليمي أي نسخة.
اكتفوا فقط بمنحي رقم البلاغ، وعدد المواد القانونية، وسنة الإجراء، وكأن امتلاك المواطن لنسخة من مستند رسمي يخصه بات جريمة، أو ترفاً لا يستحقه، في سلوك يفتقر لأبسط قواعد الشفافية.
هذا الحرمان المتعمد يطرح سؤالاً مشروعاً: ما الذي يُخشى أن يراه المواطن في خطاب موجه إلى جهة عدلية؟ ولمصلحة من تُدار الملفات في الظل؟
للأسف، تحولت مؤسسات الدولة السودانية إلى جزر معزولة، كل مؤسسة تعمل بمعزل عن الأخرى، وتُصدر قراراتها وفق تقديراتها الخاصة، دون تنسيق، ودون التزام بسقف قانوني موحد.
ويتجلى هذا العبث الإداري بوضوح في قرار وزير الداخلية السابق، الفريق شرطة خليل باشا سايرين، القاضي بتعديل لائحة القوائم والسيطرة الهجرية لسنة 2025، بما يمنع حرمان أي شخص من حقه في التمتع بوثيقة جواز السفر.
هذا التعديل رُفع إلى مجلس السيادة لإجازته في مارس 2025، غير أنه لم يُنشر في الجريدة الرسمية التابعة لوزارة العدل، وبذلك ظل القرار معلقاً، بلا نفاذ، وبلا أثر، وكأن مصائر الناس تنتظر ختم موظف غائب.
نتيجة لذلك، تكدست مئات طلبات رفع الحظر أمام نيابة المعلوماتية، وتحول إجراء بسيط لا يستغرق سوى وقت وجيز إلى مسار طويل من الانتظار والإذلال.
هذا التعقيد غير المبرر ألقى بظلال سالبة على حياة المواطنين، عطّل سفرهم، أوقف علاجهم، وقيّد فرصهم في العمل، بلا ذنب ارتكبوه، سوى أنهم وقعوا بين مطرقة الإجراءات وسندان الإهمال.
ولا يتوقف المشهد عند الجوازات، فحظر الأرقام الوطنية من قبل إدارة الهوية والجنايات التابعة للإدارة العامة للسجل المدني يمثل فصلاً آخر من فصول المعاناة المفتوحة.
مواطنون يترددون على مباني السجل المدني لأيام وأسابيع، ينتقلون بين المكاتب دون نتيجة، في دوامة بيروقراطية لا تُنتج سوى الإحباط وفقدان الثقة.
إن تشديد وتعقيد إجراءات الحظر بهذه الطريقة لا يحمي الدولة ولا يرسخ هيبة القانون، بل يفتح أبواباً واسعة لضعاف النفوس لاستغلال حاجة المواطنين.
وحين يصبح التعقيد هو القاعدة، فإن الفساد لا يكون احتمالاً، بل نتيجة منطقية، لأن المواطن المحاصر يبحث عن أي منفذ للخلاص.
وفي هذا السياق، قدّم رئيس هيئة السجل المدني والجوازات، الفريق شرطة عثمان دينكاوي، توضيحات مهمة حول ما يجري، وأكد التزامه بمعالجة هذا الملف بكلياته وبصورة نهائية خلال الأيام المقبلة، مشيراً إلى أن الإجراءات تسير حالياً على قدم وساق داخل الهيئة.
غير أن هذه الوعود، على أهميتها، لا تلغي حقيقة مرة، وهي أن معاناة المواطنين المحظورين ما تزال مستمرة ومتزايدة، وأن الزمن لا يعمل لصالح من تعطلت حياتهم بسبب قرارات إدارية مرتجلة.
والمفارقة الصادمة أن كل ما يحدث يتناقض صراحة مع توجيهات رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، التي شدد فيها على عدم منع المواطنين من حقهم في التمتع بالوثائق الثبوتية، حتى وإن كانت في مواجهتهم إجراءات قانونية.
لكن وحتى لحظة كتابة هذه السطور، ظلت تلك التوجيهات حبيسة الخطابات، لم تجد طريقها إلى التنفيذ، في فجوة خطيرة بين القرار السيادي والتطبيق التنفيذي.
ما يحدث اليوم ليس خللاً فنياً ولا إشكالاً إجرائياً، بل أزمة حكم وإدارة، عنوانها العريض: مواطن بلا وثيقة، وقرار بلا تنفيذ
ومؤسسات لا تسمع إلا نفسها.إن استمرار هذا المسلسل العبثي من الحظر يعني أن الدولة لا تكتفي بتقييد حركة مواطنيها، بل تُقيد وجودهم ذاته، وتحاصرهم بالرقم الوطني، والجواز، والختم.
وإذا لم يتم حسم هذا الملف بشجاعة وشفافية، فإن الحظر لن يبقى على الوثائق فقط، بل سيمتد ليحظر ما تبقى من ثقة بين المواطن ودولته، وهي الخسارة الأفدح التي لا تعوضها أي قرارات لاحقة.




